jon 2

الأربعاء، 24 سبتمبر 2008

الحلقة( 23) - سيدنا لقمان

عظمة ومكانة سيدنا لقمان في القرآن:
فاليوم نتحدث عن الأبناء والآباء، ونبدأ من أول قصة لُقمان، فهناك سورة قرآنية سُميت باسمه، وهذا يدل على الشرف والمكانة والتكريم، فهذا الكتاب مُعجزةُ من الله تعالى، فالبحر، والسماء ، والنجوم ، والقرآن ، وكل حرف في القرآن أيضاً معجزة. فتخيل عندما يذكر الله اسم شخص فى القرآن وليس فقظ اسمه، بل يجعل له سورة باسمه، ويذكره أيضاً بِأنه حكيم. فما هذه المكانة!! فنحن دائما نقول بأن لقمان حكيم، وهذا ما ذُكر في القرآن عندما قال الله تعالى: "وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ ...." (لقمان12). فالقرآن يشهد له أن ربنا أعطى له الحكمة . فهذا الرجل حكيم، وهذا أول شيء سأقف عنده. فالحكمة شيء غالي جداً، ولكنه مفتقد جداً. يقول الله تعالى: " يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ...." (البقرة269). فما هي الحكمة؟ هي كلمات حق، وخيرٍ، وصلاحٍ، وهدايةٍ، تُنير وتحيي حياة بني آدم، وتُقال فى الوقت المناسب، وفى المكان المناسب للشخص المناسب. فمن الذي لديه الحكمة؟ إنني لن أتحدث الآن عن الآباء والأبناء، ولكن أتحدث عن لقمان الحكيم. جاءت الحكمة فى القرآن عشرين مرة، وهذا يدل على عظمتها ومكانتها، وبدأت السورة بوصف الله تعالى للقمان بأنه حكيم، وكأن حكمته نور وقَبس من حكمة وعظمة القرآن. فهل تقرأ القرآن كثيراً أَم لا؟ هل أخذت من حكمة ونور القرآن شيء؟ هل تتعامل مع الناس في الوقت الصحيح والمكان المناسب؟ أنا لن أقول أن كل الناس تستطيع أن تأخذ الحكمة، بل قليل منهم؛ لأنها تحتاج إلى بذل مجهود وأشياء أخرى سأقولها بعد قليل.
فالحكمة غالية، ولقمان حكيم، والحكمة هى كلمات نور، وخير، وإصلاح، وهداية، تُقال في الوقت المناسب، في المكان المناسب، للشخص المناسب، تُحيي به بني آدم. ومن الممكن أنك أحياناُ لا تعلم كلمة الخير التي تخرج منك، ولا تعلم أيضاً لمن ومتى تقولها؟ ؛ لأنك مُفتقد الحكمة ، فالحكمة شيءُ كبير، ولكن للأسف كثيرُ من الناس يفتقدها، وهناك آخرون يتحركون ويأخذون بأيدي غيرهم وهم يفتقدون إليها أيضًا.

كيف أخذ لقمان هذه الحكمة؟
لكي تكون حكيماً، ويعطيك الله الحكمة فيجب أن يكون لديك أربع أشياء:
1. التفكر في خلق الله، فالتفكر أيها شباب ليس عبادة فقط، بأن تنظر في خلق الله فتحبه، فهي الأصل، ولكن لها علاقة بشيءٍ آخر، فإنها توسع أقكار العقل وتجعله مُتفتحاً فيامن تعيشون في الغرب، وتتمتعون بالأماكن والمناظر الطبيعية الرائعة، إذا لم تستفيدوا من هذه الأماكن لكي تروا عظمة الله، وتنطلق العقول مع رؤية هذا الكون الهائل عندما تتفكر فيها، فلن تفتتح عقولكم؟
2. العلم والقراءة، فعندما تقرأ كتاباً، فإنك تأخذ حكمةَ وعقلَ شخصٍ آخر وتضعها فى عقلك، فمثلاً إن قرأت خمسين كتاباً، فأنت بذلك قد أخذت عقل وحكمة خمسين شخصاً بداخل عقلك، فكُلما تقرأ كتاباً كُلما تحفر بئر بترول في عقلك، مثال آخر: شخص ألَف كتاباً بعد عشرين عاماً، فهذا الكتاب فِكرُ عشرين عاماً، لماذا أعطاه لنا؟ إما أنه يريد أن يحصل على المال؟ أو لعله يريد أن يوصل فكرتُه للناس ، وهذا من حقه، وبعد أن تقرأ أنت هذا الكتاب وتقوم بإدخاله في عقلك فأنت بذلك أصبحت حكيماً، فيا أيها الشباب، لا توجد حكمةُ بدون قراءة على الإطلاق.
3. الاحتكاك، فكان لقمان عبد، ثم أصبح أجير، ثم مُدبر، ثم قاضٍ، ثم قاضي قضاة، وكان يسافر في الأرض ويختلط بالناس، فيا أيها الآباء والأبناء، اجعلوا أولادكم يعملوا في الصيف حتى ولو كنتم أغنياء، يجب على الابن أن يتعب ويشقى في الدنيا، ويا أيها شباب لا تجلس فى الصيف دون عملٍ واضعا يديك على خديك، يجب أن تتحرك وتتعب وتعمل وتتعلم وتسافر وتختلط بالناس، أعلمت كيف تأتي الحكمة؟ "يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ..." (البقرة269). فيا سعادته وفرحته الذي أوتي الحكمة "...فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ....". فالذي يمتلك هذه الحكمة، لديه شيء كبير جداً.
4. تنزل بين الناس ويكون عندك نيةُ الإصلاحِ، فلن تخرج الحكمة إلا إذا بذلت الجهد في الإصلاح، فإذا احتككت وتعايشت مع الناس فستفهم احتياجاتهم، وتقول الكلام المناسب، في الوقت المناسب، للشخص المناسب. فكثيراً من الناس لديهم الكثير من العلم، ولكنهم لم يعرفوا احتياجات الناس فيقول الشخص كلاماً لم يكن مناسباً لاحتياجات الناس فيؤدي إلى شيئين: إما أن يسمعوه وتطرب له آذهانهم، أو لا يفهمون منه شيئاً ولكن لقمانَ تعايش بين الناس واحتك بهم ففهم احتياجاتهم، فأصبح لقمانَ الحكيم الذي يستحق أن يُذكرَ في القرآن العظيم "وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ...."لقمان12. وبعد ذلك قيل له "... أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ... ". فهذه الحكمة لم يأخذها الكثير من الناس، يا لقمان كثيرُ من الناس حفظوا نصوصاً، ودرسوا جيلاً، لكنهم ليس لديهم هذه الحكمة، فهذه نعمة من عند الله، ويجب أن تشكر الله عليها.

حكمة وحياة سيدنا لُقمان:
كان لقمان في بداية حياته عبد فقير، وبسيط، حبشي من النوبة، والآن سنعرف كيف أن تربية الأبناء ليس لها علاقة بالغنى أو الفقر. يا أيها الناس البسطاء المستورون، لا تظنوا أن التربية السليمة مرتبطة بالغنى، فالتربية السليمة هى الأخلاق ، والقيم التي ليس لها علاقة بالفقر أو الغنى، فلقد بدأ لقمان حياته عبداً حبشياً بسيطاً يعمل نجاراً، ولكن حكمته هي التي حررته من العبودية. كيف ذلك؟! لقمان عبد، يعمل عند سيده ، فقال له سيده: "يا لقمان، اذبح عجلاً أو خروفاً، وخذ أطيب ما فيه". فذهب لقمان وأخذ القلب واللسان. فقال له سيده:" اذهب، وخذ أخبث ما فيه". فأخذ له لقمان القلب واللسان. فقال سيده:"ما هذا؟" فقال لقمان:" ياسيدي، وما أطيب ما في الكون إن طاب، وما أ خبث ما في الكون، إن خَبُث!". فقال له:" اذهب، فأنت حُر". وللأسف الشديد أن معظم الناس يسعون لتجميل وجوههم وأشكالهم الخارجية، ولكن من الذي يسعى لتجميل ما بداخله؟ فكل البنات يقفن أمام المرآة ويصبغن شعورهن ويهتممن بشكلهن، ولكن من منهن تسأل نفسها هل هي جميلة بداخلها أم لا؟ فمن الذي يسأل عن الدُرِ؟! هناك جبل يُطلق عليه- جبل الجليد- مساحة هذا الجبل 20% فوق المياه و80% تحت المياه، فمعظم الناس ينظرون للـ20%، ولكنهم لا ينظرون للـ 80%، بالرغم من أن الجبل بدون الـ 80% ينهار ويسقط. فالذي يُشغَلُ نفسهُ من الخارج وينسى ما بداخله سينهار ويسقط، وأنا أحدث البنات خاصة، وأيضاً الأولاد الذين يذهبون إلى صالة الألعاب الرياضية ((gem وهم حريصون على أشكال عضلاتهم وأجسامهم وقوتهم، لذلك كان النبي- صلى الله عليه وسلم- عندما ينظرأمام إلى المرآة يقول: "اللهم كما أحسنت خَلقي، فأحسن خُلقي". جميل جداً حكمة لقمان فأطيب ما فيها، إن طاب، وأخبث ما فيها، إن خبُث. فلسانك معرفة قلبك؛ فهو يُخرج ما في قلبك، فانظر ماذا يُخرِجُ لسانُك؟ فهل لسانُك معرفة قلبك؟. هل تريد أن تعرف نوع الشخصية التي أمامك؟ فانظر إلى ما يقوله الشخص، فاللسان هو معرفة القلب والذي يُخرجُ ما بداخل الإنسان، يقول النبي- صلى الله عليه وسلم-:"إن في الجسد مُضغة، إذا صلُحت، صلُح الجسد كله، وإذا فسدت، فسد الجسد كله، ألا وهي القلب."

بعد أن حرر لقمان، قرر أن يُهاجر من مصر إلى فلسطين، فلماذا ذهب إلى فلسطين؟ ومن الذي كان في ذلك الوقت فيها؟ إنه سيدنا داوود ، فلقمان جاء في وقت سيدنا داوود، فكان يقود أمة، وأتاهُ الله الحكمة والمُلك، يقول الله تعالى: "وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ " (ص20) لذا سيدنا داوود لديه الحكمة، وأتاهُ الله المُلك الشديد، وسيأتي بعده ابنه - سيدنا سُليمان- ليبني أقوى مملكة في تاريخ بني إسرائيل ويقول: "... وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي ....". فجاء لقمان في وقت داود وهاجر ووصل إلى فلسطين، واشتغل أجير عند سيدنا داوود، ومن هنا تظهر شخصيتهُ وحكمته ببذل الجُهد، فالذي لديه حكمة سيعلو ويرتفع، وبدأ سيدنا داوود يُلاحظ عليه أنه إنسان متميز، غير عادي، وكان سيدنا داوود يُعلِمُ صناعة الدروع ويصنع أمامه الدرع، فأراد لقمان أن يعرف ما هذا الذي يصنعه سيدنا داوود؛ لأنه أول مرةٍ يرى هذا الدرع، ولكنه صبر ولم يسأل عنه إلا في الوقت المناسب، وبعد أسبوع قال سيدنا داوود:" ونِعم الدرع للحرب"، ففهم لقمان ماذا كان يصنع سيدنا داوود، فالصمت من الحكمة. كيف؟! بأن تصمت في الوقت المناسب، وتتكلم في الوقت المناسب. وكان سيدنا داوود في هذا الوقت يحتاج إلى حُكماء يقومون بتربية الجيل الجديد؛ لأنه كان يبني أمة ودولة، فهل يوجد في بَلدنا حُكماء يقومون بتربية الجيل الجديد؟ هل يوجد رموز للإصلاح؟ أم أنها هاجرت و تحطمت؟! ولمصلحة من الرموز لا تكبر؟ هل لمصلحة الجيل القادم؟ أليس هذا حرام؟ لكن سيدنا داوود فعل عكس ذلك، فكان يبحث عن الحُكماء ليُربي سُليمان، وجيل سليمان الذي سيقودُ فيما بعد، فداوود ما زال عظيماً، ولكن يوجد من هو أعظم منه وهو - سيدنا سليمان- والجيل القادم، وهذا الجيل يحتاج إلى إعدادٍ كبير، وكثيرُ من الحُكماء، يقولون أن لقمان : " انتقل من عبد لأجير لمربي بني إسرائيل " وبذلك أصبح لقمان حكيم من حكماء بني إسرائيل. ومن ثم فقد انتقل إلى مُهمة كبيرة، وهي أنه سيُشارك داوود في صناعة جيل النهضة (سليمان، وابن لقمان، وجنوده). وكأن الله كرْم المعلمين، وجعل لقمان مثل يحتذى به من قِبل المربيين، فيجب على كل معلم أن يشعُر بأنه لقمان، وليس بأنه معلم؛ يأخد المال، ويعطي دروس خاصة.

كفاح وجوهرية دور لقمان كالأب:
وبدأ لقمان يُربي بني إسرائيل، فيختاره داوود لمُهمة عظيمة، بأن يكون قاضٍ لبني إسرائيل، ثم يصبح قاضي قضاة بني إسرائيل، أتتخيل هذا؟ مِن عبد إلى قاضٍ!! وأيضا كان داوود مثله، فكان في البداية راعٍ للغنم، ثم قتل جالوت، ثم".... وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ " ، ثم قاد بني إسرائيل فصار أبا سليمان. ما أرغب في قوله: أيها الشباب، اجعلوا الأمل في قلوبكم واسعوا، فالعبد أصبح قاضي قضاة، والراعي للغنم أصبح نبياً حكيماً. لذا فسيدنا داوود ولقمان لم يصلوا إلا ببذل الجهد، والعمل، والإنتاج، والعبادة، والصلة بالله تعالى، فاتعب، وتعلم، واقرأ، واعمل، وسافر، وتحرك ولا تُضيِّع وقتك، والله يساعد الذين يعملون ويكدحون ومثال ذلك لقمان. فلقمان الآن أصبح قاضي قضاة بني إسرائيل، متزوج، لديه أبناء فلك أن تتخيل كم النزاعات والجدل والمشكلات لبني إسرائيل، لذا فعمله شديد الصعوبة.

فلنترك كل هذا ونتطرق للموضوع. وهو ذكر القرآن للقمان وهو يُربي ابنه، ولكن لم يذكُر حكمته مع بني إسرائيل، فلماذا؟! لأن لقمان لم ينسَ ابنه، بالرغم من المشكلات التي يواجهها وحكمته العظيمة لبني إسرائيل، وبالرغم من اهتمامه ببني إسرائيل، إلا أن ابنه كان في أول اهتمامه. ولكن أين ذكرت حكمته ؟ ذُكرت مع ابنه. لذا فسر تشريفه في القرآن اهتمامه بابنه. وهل ذكر القرآن باقي حكمته؟!! نعم ذكرها لنا في أثناء حديثه مع سَيده ، فماذا يريد الله منا؟ أول درس- كلمة للآباء- جوهرية دور الأب. يا أيها الآباء ألغوا التوكيلات الذي أوكلتموه لزوجاتكم. كان الأب منذ عشرين عاماً يُشارك الأم في تربية الأبناء، ولكن في العشر سنواتٍ الأخيرة حدث توكيل وتفويض، حيث أن الأم تُربي، والأب يعطي المال، وهم متفقون على ذلك، ودلالة على ذلك عندما ينحرف الابن أو يدمن المخدرات، فماذا يفعل الأب؟ يقول للأم:" ماذا أفعل؟ فأنا أعمل وأدخر لكم المال، فما هو دورك؟" وتبدأ الأم في الدفاع عن نفسها وكأنها أخطأت، ولكن كان يجب عليها أن تقول له: "وما هو دورك أنت أيضاً؟" بمعنى نحن الاثنين مسؤلان عن التربية، هل حقاً دور الأب الإتيان بالمال، والأم التربية؟ أم الاثنان مشتركان في التربية؟ أرأيت يوماً شخصاً يجدف في مركبة بمجداف واحد؟! بالطبع لا يستطيع أحد ذلك، فسيدور حول نفسه، لذا فيجب أن يتحركَ كلا من الأب والأم سوياً.

يا أيها آباء، إن لقمان لم يكتفي بحكمته مع بني إسرائيل، وأنه يؤدي دوراً عظيماً في بلده، ولكنه جعل ابنه أول اهتماماته، لذا فما قيمة حكمتك عندما تُصلح الكون، والفوضى عارمة في بيتك؟!! أين الحكمة في ذلك؟! يقول مصطفى الرافعي حكمة جميلة: "إن من الفوضى والضياع، بأن تنظم الكون من حولك، وتترك الفوضى في بيتك". أرأيتم سيدنا إبراهيم مع ابنه إسماعيل، هل يوجد أحدُ الآن منشغل مثل سيدنا إبراهيم؟! يقول الله تعالى: " فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ...."(الصافات102). بمعنى أنه عندما كبر سيدنا إسماعيل وأصبح مع أبيه. قال له: "... قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ..." (الصافات102). أرأيتم العلاقة التي بين الأب وابنه؟ فما هو دور الآباء؟!! سأرسد لكم قصة لعلكم تعلمون مقصدي، أعرف شاباً كان في ااثانوية ، وكان حارس مرمى يلعب كرة قدم مع فريق مدرسته، وكانت هناك في ذلك مباراة نهائية بين مدرسته ومدرسةٍ أخرى، فدعوا الآباء ليُشاهدوا المباراة، فجاء جميع الآباء ليشاهدوا المباراة، ولكن كان أباه منشغلاً عنه، فترجاه ليأتي معه هذه المباراة، وبعد محاولات كثيرة من قبل العائلة، ذهب معه، وعندما نزل الشاب إلى المباراة، رأى والده يتحدث مع من بجانبه ، والشاب يريد منه أن يراه ويشاهده، فحاول أن يقوم بأي استعراض؛ لكي تصفق له الناس ويراه أباه، ولكنه ظل منشغلاً عنه، وبعد ذلك جاء رجل إلى أبيه، وهمس في أذنه؛ مما جعله يترك المباراة وينصرف، فيقول الشاب:" وعلى الرغم من ذلك أكملت المباراة ولكن وأنا أبكي ولم انسَ هذه اللحظة"، وتوفى أبيه بعد عشرين عاماً، وذهب الشاب إلى قبره، وقال لوالده في نفسه:" أنا لم أفعل لك شيء، ما الذي كان أهَمُ مني"؟!!. كنت أريد أن أعانقك". فيا آباء تعلموا من هذه القصة، واعلموا أن الله لم يذكر إلا حكمة لقمانَ مع ابنه، ولم يذكره في القرآن إلا "وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ ...."(لقمان13).

ذهب بعض الأمريكيون منذ حوالي عشرُ سنين إلى السجناء، وقالوا لهم: "أتودون أن ترسلوا برقية وبطاقات مُعايدة لأمهاتكم في عيد الأم؟" فأقبل جميع السجناء، وأرسلوا الكثير من البرقيات لأمهاتهم، لدرجة أنهم اشتروا كميات كبيرة من البطاقات والبرقيات، وعندما سألوا السجناء في عيد الأب نفس السؤال رفضوا أن يشتروا البرقيات. فأجرى الأمريكيون دراسة، واكتشفوا أن كثير من السجناء يشعرون أن آبائهم هم السبب؛ لأنهم لم يهتموا بهم. واعتذر؛ لأن بي وجع – فسببت لكم الآلام فيا أيها الأب إن ابنَكَ بحاجة إليك، ورعايته ستدخلك الجنة، يقول النبي- صلى الله عليه وسلم-:" لئن يؤدب أحدكم ابناً، خيراً من أن تتصدق بطاعة".فتخيل كل يوم تُربي فيه ابنك، كأنك تتصدق. يقول النبي – صلى الله عليه وسلم-:" لا يغرس رجل غرساً، فيأكل منه طيراً أو إنسان، إلا كُتب له به ثواباً يوم القيامة" فكيف بثواب الذي يغرس ابنه؟ فإنك تغرس ابن يعبد الله ويطيعه، يقول النبي- صلى الله عليه وسلم-:"من كان له ثلاث بنات، فيؤدبهُن، ويُكرمهُن، ويرحمهُن، كُنا له ستراً من النار".

رسالة للأباء والأمهات:
1. جوهرية دور الأب (هذا الذي تحدثنا عنه من قبل).
2. الأب والأم القدوة، "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ " (الصف 2-3). فلقمان الحكيم لم يفعل ذلك على الإطلاق، فهل أنت قدوة وأنت تأبى أن تعظ ابنك وتنصحه، فأفضل وسيلة تعظ بها ابنك أن تصمت، وتكن قدوة في نفس الوقت، فابن لقمان يرى كيف يتعامل أبوه مع أمه، وكيف يتعامل مع الناس، ويرى أخلاق لقمان. فهل أنت مَثلُ أعلى لابنائك؟ هل أنت حريص عليهم؟ هناك مثل سوري جميل جداً يقول:" عدْ لمائة قبل أن تكذب على الناس، وعدْ لمليون قبل أن تكذب أمام ابنك، وعدْ لمليار قبل أن تكذب على الله". فهل أنت أب قدوة؟ هناك مدرس كان يسأل الطلاب يوماً ما: ماذا يريد كل طالب أن يعمل؟ وكانوا على بلد حدودية مع بلد ثانية، وكان منتشر فيها تهريب البضائع، فقال له طالبُ:"أريد أن أصبح مُهرباً". فضحك الطلاب، والطالب لم يفهم لماذا ضحكوا عليه!! فالولد بريء يريد أن يكون مثل أبيه مُهرباً. كان سيدنا علي بن أبي طالب جالس مع سيدنا عُمر بن الخطاب، وعندما رأى سيدنا عمر الغنائم آتية من فارس، لدرجة أن جزء بسيط من الجواهر التي تستطيع أن تضعها في جيبك، موجودة في مكانها بالمسجد، فقال سيدنا عمر:"إن قوماً أدوا لي هذا، لأُمناء."، فرد عليه علي بن أبي طالب قائلاً:" يا أمير المؤمنين، عَفوت فاعفوا، ولو ركعت لركعوا". فنحن نُحدث الحكماء، والمسؤلين، وأيضاً أنفسنا وللآباء، فقبل أن تلوم ابنك أو ابنتك على ذنبٍ اقترفوه، لُم نفسك فإذا عَفوت فاعفوا، ولو ركعت لركعوا.

مواعظ لقمان:
انظر إلى الآيات التي يعظُ فيها لقمان ابنه، إنها صفحة كاملة من القرآن تتحدث عن مواعظ، فإن لم يكن لقمان قدوةً وحكيماً، فلم يسمعه ابنه؟ فأين الأب والأم القدوة؟ أريد من كل أب وأم أن يتعلم من هذه الآيات كيف يُربي ابنه؟ وأريد من كل ابن أن يعرف كيف يتعامل مع أبيه وأمه؟ " وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ* وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ* وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ* يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ* يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ* وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ* وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ""
ما معنى هذه الآيات؟ وما هي الأولويات التي أُربي بها ابني؟ وكيف جعل لقمان ابنه يصغي إليه؟ فيا آباء ويا أمهات، كيف نجعل أبناءنا يستمعون إلينا؟ فالأباء والأمهات بحاجة لتعلُمِ حكمةُ لقمان، والأباء يعظون وينصحون أبنائهم ولكن بلا جدوى ، فعلينا أن نفكر كيف ومتى ننصح أبناءنا، نحتاج للأب الصديق الذي يُصاحب ابنه وابنته، فيخرج معهم، مثالُ: أنا وابنتي نخرج معاً، أو أصحب ابني-البالغ 6 سنوات-وألعب معه أي رياضة، أنا وابني أصدقاء، فنحن نُعلُِم الأب المُربي، والأب الموجه، ولكن هل يوجد الأب الصديق الذي يستمتع بصحبة ابنه؟!! وهل يوجد الأب والأم اللذان يُصاحبان ابنتهما وابنهما، ويتحدثون مع بعضهم البعض، ويتبادلون الآراء سوياً؟! لذا فنحن بحاجة إلى الأب الصديق خاصة في هذا الزمن، قبل أن تُفاجيء بكارثة حدثت لهم.

يا أيها الآباء والأمهات، إياكم أن تلجأوا للموعظة { وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ..{ فهناك أمر مهم جدا قبل الوعظ ألا وهو هل سيسمع الابن منك أم لا؟ هل أنت أب صديق وحريص على هذه الصداقة أم لا؟ فالأب الصديق الذي يفهم احتياجات ابنه وابنته بمجرد نظرة من أعينهم، فمثلاً عندما جاءت زوجة موسى إلى والدها وقالت له "... يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ " (القصص26)، فذهب والدها إلى سيدنا موسى وقال له: "إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين". فالأب فهم احتياجات ابنته عندما قالت له أنه شاب قوى وأمين، وأيضاً الأب الصديق كالنبي- صلى الله عليه وسلم- والسيدة فاطمة، فكان يقبلها في رأسها عندما يدخل أو يخرج من المدينة، وكان لا يدخل المدينة إلا إذا قام بزيارتها، وكانت بينهم علاقة خاصة وحميمة، وقبل أن يموت قال لها سر في أذنها، فبكت، ثم قال لها سر أخر، فضحكت. فقالت لها السيدة عائشة: "ماذا يخبرك؟" فقالت لها:" ما كُنت لأفشي سر رسولِ الله". وبعد وفاة رسولِ الله، قالت لها السيدة عائشة:" ماذا كان يُخبرك رسول الله؟". فقالت فاطمة: " قال لي أول مرة، إني ميت الليلة، فبكيت، وقال لي ثاني مرة، أنتِ أول أهلي لحوقاً بي، فضحكت." فكان من الممكن أن يقول رسول الله للناس إنه ميت الليلة، ولكن توجد علاقة حميمة بينه وبين ابنته، فهل يوجد الآن هذا الأب الصديق؟! وأيضاً عندما قال سيدنا إبراهيم لابنه - سيدنا إسماعيل- "فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ " (الصافات102) تخيل إذا كان قد قال سيدنا إسماعيل لا أريدك أن تذبحني، هل كان يذبحه ؟ نعم سيذبحه لأنه أمر من الله تعالى، ولكن لماذا قال له "فَانظُرْ مَاذَا تَرَى.."؟! لأنه يوجد علاقة حميمة تسمح لهم بالمناقشة في كل شيء، وعندما قال سيدنا إبراهيم: "يا بني إن الله أمرني أن ابني له بيتاً" فقال له سيدنا إسماعيل :" يا أبتِ، اطع ربك." فقال له:"وتُعينُني؟" فقال:"وأعينُك". وبنوا البيت سوياً.

أولويات وصايا لقمان:
ونستكمل الآيات "وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم" (لقمان13) فتوجد أولويات لتربية الأبناء مثل:
1. معرفة وحُب الله، أول شيء ستغرسه في أولادك حُب الله... كيف؟ نحن جميعاً نعمل بشكلٍ نظري، ولكن علمتنا الآيات شيئين: شيء نظري، وشيء عملي، فالنظري مثل "وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم" والعملي بعدها بآيتين "يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِير" " فبينما كان لقمان يمشي مع ابنه في الطريق، رأوا حبةٍ من خردل، ليس لها أي قيمة، فألقاها بين الصخور، وقال له:"إن الله تعالي مُطلع عليها" فلقمان يُعلم ابنه اسم الله الرقيب، والسميع، والعليم، وذلك من خلال شيء عملي. لذا فأنت مُطالب بأن تغرس حُب ِالله، ومعرفة عظمته في ابنك، وذلك عندما يبلغ من العمر خمس سنوات، ثم تطبقها عملياً، يا أيها الآباء والأمهات، كيف يصلي ابنك ويتقرب من الله وهو يراك على خلاف ذلك؟!! فتخيل ابنك استيقظ من النوم؛ لكي يشرب، ورأى والده يُصلي الفجر، فإنها أقوى موعظة عن الصلاة، وأكثر من ألف درس موعظة للصلاة، أعلمت كيف تغرس معرفة وعظمة الله في ابنك؟ بالكلام النظري، وبالتطبيقات العملية.
2. بر الوالدين، إنها ثاني وصية " وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ...." (لقمان14) فأول وصية وصاها لقمان لابنه أثناء حديثه عن بِر الوالدين، وصيته عن أمه، فيا حبذا عندما يراك ابنك تتحدث عن أمه بكلامٍ طيب، فيا أيها الآباء والأمهات لا تظهِروا مشاكلكم أمام أبناءكم؛ لإنك تعاقبه، تؤذيه، وتحطمه، فأكبر كارثة عندما يتشاجر الأب والأم، وكلاً منهما يتحدث مع ابنه عن الطرف الثاني. اسعد كثيراً عندما أرى أم مطلقة وهي تتحدث عن زوجها السابق أمام ابنها بطريقة جيدة، فإن تحدثت عنه بكلام سيء فإنها تعاقب، وتحطم، وتؤذي ابنها من داخله، وإنني لأحزن كثيراً عندما أرى أماً تشاجرت مع زوجها فتحرمه من رؤية ابنه، أو أباً يحرم أماً من رؤية ابنها، فعندما تحدث لقمان عن بِر الوالدين، تحدث عن الأم والأب، ثم تحدث عن الأم، وذكر كيف أنها تتعب من أجل ابنها، وكيف حملته في بطنها وهناً على وهن، فيا أيها الآباء والأمهات، قصة لقمان تهدف لتعليمكم كيفية تربية الأبناء، فحذاري الابتذاذ العاطفي، فمثلاً يقول الأب لابنه:" سأعطيك هذا، لكن افعل مع أمك هذا" أو عندما يخطئ الابن في حق أمه ولا يفعل الأب له شيئاً، أما إذا أخطأ في حقه فيعاقبه، والعكس صحيح، يُعلمنا لقمان درس مهم جداً ألا وهو أن يكبر الأب الأم في عين أولادها، وأنتِ تكبرَ الأم الأب في عين أولاده.

وسأتحدث الآن مع الأبناء في بر الوالدين، كيف حالكم مع الوالدين؟ "وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ..."(العنكبوت8) ، يقول النبي _ صلى الله عليه وسلم_ :" احفظ ودْ أبيك، لا تقطعه، فيُطفىء الله نورك"، ولم يقل النبي احفظ صلة أبيك، ولكنه قال وده وقم بإرضائه، وإلا فلن تشعر بحلاوة الدنيا، ويقول النبي _ صلى الله عليه وسلم_ :"من أَحدْ النظر لوالديه، فأنا برىء منه يوم القيامة" فمن نظر إلى أمه وأبيه بنظرة غيظ وغل وضيق، فالله برئ منه، فإياك وجرح قلوبهم، وإياك! والكذب عليهم، أو أن تفعل شيء دون علمهم، يُحكى أنه كان في زمن النبي _صلى الله عليه وسلم_ شاب يسمى علقمة، كان كثير الاجتهاد في طاعة الله، وفي الصلاة، والصوم، والصدقة، فمرض واشتد مرضه، فأرسلت امرأته إلى رسول الله_ صلى الله عليه وسلم_ :" إن زوجي علقمة في النزاع فأردت أن أعلمك يا رسول الله بحاله" . فأرسل النبي _صلى الله عليه وسلم_: عماراً وصهيباً وبلالاً وقال امضوا إليه ولقنوه الشهادة، فمضوا إليه ودخلوا عليه فوجدوه في النزع الأخير، فجعلوا يلقنونه لا إله إلا الله، ولسانه لا ينطق بها، فأرسلوا إلى رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يخبرونه أن لسانه لا ينطق بالشهادة فقال النبي _صلى الله عليه وسلم_ :" هل من أبويه أحد حيّ ؟"، قيل:" يا رسول الله أم كبيرة السن" فأرسل إليها رسول الله_ صلى الله عليه وسلم_ حتى أتت، فسلَّمت فردَّ عليها السلام وقال:" يا أم علقمة أصدقيني وإن كذبتيني جاء الوحي من الله تعالى، كيف كان حال ولدك علقمة؟" قالت :" يارسول الله كثير الصلاة، كثير الصيام، كثير الصدقة". قال رسول الله_ صلى الله عليه وسلم_:" فما حالك؟" قالت:" يارسول الله أنا عليه ساخطة"، قال:"ولما ؟ "، قالت:" يا رسول الله كان يؤثر علىَّ زوجته، ويعصيني" فقال رسول الله_ صلى الله عليه وسلم_: "إن سخط أم علقمة حجب لسان علقمة عن الشهادة، ثم قال:" يا بلال انطلق واجمع لي حطباً كثيراً"، قالت الأم: يا رسول الله وما تصنع؟ قال :"أحرقه بالنار بين يديك". قالت:"يا رسول الله إنه ولدي ولا يحتمل قلبي أن تحرقه بالنار بين يدي". قال:" يا أم علقمة عذاب الله أشد وأبقى، فإن سَرك أن يغفر الله له فارضى عنه، فوالذي نفسي بيده لا ينتفع علقمة بصلاته ولا بصيامه ولا بصدقته مادمت عليه ساخطة"، فقالت:" يا رسول الله إني أشهد الله تعالى وملائكته ومن حضرني من المسلمين أني قد رضيت عن ولدي علقمة". فقال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: "انطلق يا بلال إليه، فانظر هل يستطيع أن يقول لا إله إلا الله أم لا ؟ فلعل أم علقمة تكلمت بما ليس في قلبها حياءً مني"، فانطلق بلال فسمع علقمة من داخل الدار يقول:" لا إله إلا الله" . أرأيتم ماذا حدث لعلقمة؟ فإنه لم ينطق بالشهادة؛ لأنه كان يأخذ لامرأته الفاكهة الطيبة، ويعطي لأمه الفاكهة السيئة، فكُسر قلب أمه، يا ترى كيف كسرت أنت قلب أمك؟ أتتذكر عندما طلبتك على الهاتف وأغلقته كي لا ترد عليها وجعلتها تبحث عنك طيلة اليوم؟ أم تتذكر عندما أغلقت الباب في وجهها؟ فإياك وكسرة القلب.

فيا أيها شباب "وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ..." فالتعلموا أن أكثر وصية أخذت وقت، هي وصية بر الوالدين. فكل الوصايا كلمة أو كلمتين، ولكن وصية بِرالوالدين آيتين كبيرتين، يقول النبي_ صلى الله عليه وسلم_:" ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه......" بمعنى أن الله لا يكلمك ولا يزكيك إذا عققت والديك. يقول النبي _صلى الله عليه وسلم_ : "لا يدخل الجنة عاق، حتى يقضى بين الخلائق" لذا فآخر من سيحاسب العاق لوالديه. ويقول النبي _صلى الله عليه وسلم_:"واخفض لهما جناح الذُل من الرحمة...." فهل من أحد الآن دخل عليه رمضان وهو عاق لوالديه؟!! أتعلمون لماذا قال جناح الذُل؟ فهل الذُل له جناح؟!! أتعلمون عندما تتشاجر الطيور، كيف يستسلم الطائر لوقف المعركة؟ يفرد الطائر جناحيه، وينزلهما إلى الأرض، ويخفض جسمه، وهذا معناه أنه استسلم. فالله تعالى يقول لك هل تستطيع أن تفعل مثل ما فعل هذا الطير؟ هل تستطيع أن تقبل يد أمك، وتقول لها ادعي لي؟ هل تُعاندها؟ إياك والعناد مع والديك. أعرف رجل سوري متزوج امرأة تشيكية، رأيت ابنتهم –أثناء خروجهم من المحل- ذاهبة لأبيها لتقول له:" انتظر يا أبي" فنزلت أمام جميع الناس؛ لكي تربط حذاء والدها. فصاحب أمك "...وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً .." ما معنى أن تصاحبهما؟ أتعلمون الرجل الذي جاء للنبي وقال له:" يا رسول الله، من أحق الناس بحُسن صحابتي؟"، فقال رسول الله:" أمك". فقال له:" ثم من؟" قال :" أمك" فالرجل يريد أن يعرف أحداً آخر، فقال له:"ثم من؟"، قال :" أمك" فقال:" يا رسول الله علمت أنها أمي، ولكن من بعد أمي؟"، قال:" أبوك". فهل أنت مصاحب لوالديك؟ أم صديق أصحابك والكمبيوتر والمحادثة على الانترنت ، ولا تتحدث مع والديك، وليس لك علاقة بهم؟!! فلقمان يذكر ابنه بذكريات الماضي مع أمه عندما حملته وهناً على وهن، فإذا أردت أن يُحن قلبك على أمك، تذكر أيام الماضي عندما كانت تحملك في بطنها، ونقص من جسمها الحديد والكالسيوم؛ لكي تُغذيك وهي سعيدة بذلك. وكانت لديها أحلام كثيرة جداً مثلك الآن، ولكنها تنازلت عنهم بسببك، ولذلك الآيات تُذكرك بالماضي " وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ"(لقمان14).

3. إقامة العبادة، تجعل ابنك يصلي" أَقِمِ الصَّلَاةَ...."
4. الإيجابية في الحياة، "... وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ" فانزل وأصلْح في الأرض، واصبر على أي شيء يُصيبك، واسعى في الدنيا، واعمل في الصيف، واختلط بالناس، وكن إيجابياً.
5. الأخلاق، "وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ..." فلا تتكبرعلى أحدٍ، ما معنى تُصعر؟! كان الصُعار مرض يُصيب الإبل، فتتلوي عُنقها، ولا تستطيع أن تُرجعها مرة أخرى. ولا تمشي في الارض مرحاً" وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُور"ٍ فكن متواضعاً، ولا تتكبر على الفقراء.
6. اجعل لك هدف في حياتك، "وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ.." اجعل لحركاتك قصداً وهدفاً ومُراداً.
7. الأدب والذوق، "وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِير"ِ تحرك بروية، واخفض من صوتك، وتعلم الآداب والذوقيات.

كلمة للآباء والأمهات:
هذه وصايا لقمان لابنه، ولكن هناك كلمة أخيرة أريد أن أقولها للآباء والأمهات، أرأيتم لقمان كيف يتحدث مع ابنه؟ تحدث معه بلغة العاطفة، ففي جميع الوصايا كان يقول له: "يا بني". فأين لغة العاطفة يا آباءَ؟ ابنك وابنتك بحاجة إلى الحب والحنان خاصة البنات، فإذا كانت لا ترى هذا الحب في البيت، فأخشى أن تبحث عنه خارج البيت. فمثلاً بدلا من أن تقول لها:" ستكوني فاشلة إن فعلتِ كذا وكذا " أو " ستموتين كلما قدت السيارة بهذه السرعة ". فبذلك ستفشل حقاً، ولكنك استخدمت لغة العقل. فهل من الممكن أن تضع لغة العاطفة قبل لغة العقل؟ مهما كنت أيها الأب شديداً. يقول الشباب للآباء:" إلمس قلبي؛ كي أسمعك، ومُر من قلبي على عقلي؛ كي أفهمك". الشباب يُريد من يكلم قلبه، يا آباء قبل أن يعظ لقمان ابنه قال له:" يا بني" هذه ليست كلمة عابرة، ولكنها أحاسيسُ، وحبُ، وحنانُ، وعاطفةُ، عبر عنها بكلمة (يا بُني). وكان النبي_ صلى الله عليه وسلم_ لا يعِظ أحداً، إلا وجه له لفتة عاطفية، فعندما أراد نصح معاذ بن جبل قال له بعد أن أخذ بيده ومشى به: " إني أحبك، فلا تنسى أن تقول بعد كل صلاة، اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك". أرأيتم كيف استخدم أولاً لغة العاطفة؟ أمسك بيديه وقال له أنا احبك، وبعد ذلك وعظه. مثال آخر: كان ابن عباس رجل شديد الذكاء يقول:" ضمني رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ إليه وقال اللهم علمه الحكمة وتأويل الكتاب" فرسول الله يريد أن يقول له اعمل وتعلم، لكن أرأيت طريقته في حديثه مع ابن عباس؟ أعرف قصة حدثت لبنت مسلمة بكستانية اسمها لينا، تعمل في رعاية الأسر التي لديها مشكلات مع المخدرات في إنجلترا، جاءت لها أم وقالت لها:" ابني مدمن مخدرات منذ أكثر من 15 عاماً، وأريد أن أطرده من البيت؛ لأنه سيدمر إخوته، وأنه مُقذذ، و... و...." فقالت لها لينا:" متى ذكرتي له إنكِ تحبيه؟" فقالت لها:" هذا شخص مُقذذ، كيف أقول له أني أحبك؟!! أنا لا أستطيع أن أقولها". فقالت لينا:" هل من الممكن أن تعودي إلى بيتك وتحبينه من قلبك بصدق؟". وبعد أسبوع عادت الأم إلى لينا وقالت لها:" عندما عدت إلى البيت، جلست مع ابني على المنضدة واستحضرت نيتي، وضغطت على نفسي، وصدقت النية مع الله" فقال ابني:" ما بكِ؟" أحدث شيء؟" فنطرت إليه وقلت له:"أنا احبك؛ لأنك ابني، ومهما فعلت أنا احبك." فبكى ابني المُدمن، وبكيت وضميته إلى صدري. وقرر الابن أن يبدأ بالعلاج".

أنا انتهيت من القصة، وأسال الله تعالى أن يفتح علينا، ويحفظ أبناءنا وآباءنا.

شاهد أ.عمرو خالد في حوار حي اليوم في برنامج القاهرة اليوم

الحلقة (22) - الدعاء

عبادة الدعاء:
عندما سألت نفسي ما هي العبادة المناسبة لنعلمها في ليلة من ليالي رمضان، وتكون مناسبة لهذا البرنامج؟ فتوصلت إلى عبادة الدعاء، على الرغم من ذكري للدعاء في حلقات سابقة ولكنه من احتياجات ومستلزمات رمضان، ونحن ندعوا في نهاية كل حلقة، ولكن اليوم سوف يكون الدعاء كثيراً، فهناك فرق بين أن تدعُ الله وأنت تعرف ماهيةُ الدعاء وبين أن تدعوه وأنت لا تعرف، وهنا يخرج الدعاء من قلبك فتشعر به وبقوته، لذلك فهذه الحلقة حلقة ودية حيث نعيش فيها سوياً في حب الدعاء.
شهر رمضان والدعاء:
جاء رجل إلى رسول الله_ صلى الله عليه وسلم_ فقال : " يا رسول الله أبعيد ربنا فنناديه أم قريب فنناجيه؟ " فنزل قول الله تعالى قبل أن يرد النبي _صلى الله عليه وسلم_ :"وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ... " (البقرة186)، فكل الأسئلة في القرآن الكريم مثل: "يَسْأَلُونَكَ عَنِ اٌلشَّهْرِ اٌلْحَرَامِ قُلْ.."، "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اٌلْمَحِيضِ قُلْ.."، "يَسْأَلُونَكَ عَنِ اٌلْأََهِلَّةِ قُلْ..." فيجب أن تأتي كلمة قل، أما في هذه الحالة قال:"وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي..."، فلا يوجد واسطة بيننا وبينه فهو الذي يجيب، فانظر إلى الحنان والقرب الذين يتجلى في رده تعالى: "... فَإِنِّي قَرِيبٌ..."، والقرآن كلام الله لذا فأنت تسمعه سبحانه وتعالى يجيبك، ثم يقول أجيب فالإجابة هنا جاءت مبكرة حيث قال: "...أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ..."، ولم يقل أجيب دعوة المؤمن، أو التقي، أو دعوة الحاقد، ثم يقول:"... إِذَا دَعَانِ..."، أي إذا اختار هو أن يدعوني أُجيب دعوته، وقد جاءت هذه الآية في وسط آيات الصيام فجاء قبلها قوله تعالى: " شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ...."(البقرة 185)، وجاء بعدها قوله تعالى: " أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ..."(البقرة 187).
ادعوني استجب لكم:
كان الصحابة إذا سمعوا " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ "، اتجهوا بكل آذانهم ليسمعوا الآية، فهل من الممكن عندما تسمع هذه الآية أن تتجه بكل آذانك إليها ؟ وأنت تعلم أن الله هو الذي يكلمك ويقول لك :"وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي..."، فانظر لكلمة عبد فكأنه قرينه فهو قريب منه يجيب دعوته وهذا القرب مرتبط بالصيام، ففي الآية بعدها يقول تعالى:" وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ....."(غافر 60)، فلم يقل أدعوني فقط فهل هناك وعد أكثر من هذا؟ فمن يدخل معركة يقُل له قائده: خذ هذا السلاح واستعن به، فكلمة الدعاء ولله المثل الأعلى كأنما أعطاك الله سلاحاً وقال لك استخدمه إن احتجت شيئاً.
وهناك حديث قدسي يقول يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسيته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني اغفر لكم، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجِنَكُم قاموا في صعيدٍ واحدٍ فسألوني فأعطيت كل واحد منكم مسألته ما نَقَصَ ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر)، وانظر لحديث النبي _صلى الله عليه وسلم_ : (الدعاء هو العبادة)، فماذا تعني العبادة؟ العبادة تعني ذلُ وخضوع ُ لله، هي شعور أنك عبد وهو رب، فقد تصلي ولا تشعر بهذا الشعور لعيبٍ في نفسك، أو تصوم ولا تشعر به للهوٍ في نفسك، ولكن من المستحيل أن ترفع يديك وتقل أنا محتاج أعطيني، أنجدني أنا مكروب وخائف ولا تشعر بشعور العبودية، ولذلك الدعاء عبادة لأن الدعاء هو أكثر موقف تشعر فيه بأنك عبد.
يقول النبي ¬_صلى الله عليه وسلم_: (من لا يسأل الله يغضَبُ عليهِ)، وتقول الآية أيضاً وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)(غافر 60)، فقد اعتبر من لا يدعو أنه مستكبر فالدعاءُ هو ما يعطي الذلَ والخضوعَ، فلماذا لا تدعو؟ ألا يوجد لديك ما تحتاجه؟ وهذا مستحيل، ألست بشراً؟ أم أنت مستكبرُ؟ أم لا تحتاج لله تعالى؟ ولكن الله تعالى قال: (...ادْعُونِي...)، أي أنه فعل أمر يرتبط بنتيجة مضمونة وهي الإجابة.
ويقول النبي_ صلى الله عليه وسلم_ إن الله يحب الملحّين في الدعاء )، أي الذين يلحون ويعيدون في الدعاء، فإن ذهب أحدهم إلى عمرةٍ مدة أسبوعٍ أَلَحَ وأعاد نفس الدعوات كل يوم، إن سجد وإن شرِبَ زمزم أعاد نفس الدعوات، وإن ذهب لوالدته أوصاها بأن تدعو له بنفس الدعوات.
ويقول النبي أيضا _صلى الله عليه وسلم_ لا تعجزوا مع الدعاء فإنه لا يهلك مع الدعاء أحد)، فلا توقف الدعاء فلا أحد يضيع وهو يدعو.
فلماذا كل هذه الآيات والأحاديث عن الدعاء، إن هذا ينطوي عل فكرة مهمة جداً لأنك عبد الله ومن أسمائه الحسنى العزيز، وهو لا يريد عبده العزيز أن يخفض رأسه لأي مخلوق، وكمثال على ذلك (ولله المثل الأعلى) عندما يقول خالُ أو عمُ لك وأنت في الغربة أو فاقد لوالديك إن احتجت أيَ شيءٍ لا تلجأ لأي أحدٍ طالما أنا حيُ أُرزق.
فأنت عبد فلا تخفض رأسك لعباد مثلك بل الجأ لي، فإذا لم تأتني لغضبت عليك، كان هناك أحد التابعين يُدعى حماد بن مسلمة، كان يمشي في إحدى الليالي المطيرة في بغداد وسمع صوت إحدى السيدات تتحدث من داخل منزلها وتقول: "يا رفيق ارفُق بنا، يا لطيف الطف بنا، يا مُغيث أغثنا"، فشعر أنها لا تقدر أن تخرج من شدة المطر، فذهب وأحضر طعاماً وقدمه لها، فقالت: "ومن أنت؟ " قال: "حماد" ومشى، فقالت لها ابنتها: "يا أماهُ لمَ رفعت صوتك فجعلت حماداً بيننا وبين الله"، فقالت: "يا ابنتي ما رفعت صوتي ولكن الرفيق رفق بي فأتى به إلى الكوخ"، وهذه قصة بسيطة تعبر عما أريد قوله، ومن أكثر ما يميز الدعاء أنه يدخلك بسرعة إلى الله لأن فيه ذل وخضوع وبقدر ما تتذلل يستجاب الدعاء، فاذهب إليه بضعفك يُمدك برزّقه، اذهب إليه بِذُلّك يمدك بعزّه، اذهب إليه بفقرك يُمدك بغناه، واحكي معه قُل له ياغني من للفقير إلا أنت، يا قوي من للضعيف إلا أنت، يا عزيز من للذليل إلا أنت، و ندعوا أيضاً ونقول: "اللهم إنا نسألك بعزك وذلنا، وقوتك وضعفنا، وغناك وفقرنا أن ترحمنا".
وانظر إلى النبي _صلى الله عليه وسلم_ كيف كان يدعو الله، فقد كان يبسط يديه ويفتحهما وهو يدعو، وإذا كان الأمر جليا كأمر يهم المسلمين أو معركة كان يرفع يديه حتى يظهر بياض إبطيه.
ويقول النبي _صلى الله عليه وسلم_:" إن الله حيّيُ كريمُ يستحي أن يرفع العبد يديه ثم يردهما صفراً خائبتين"، فالكريم هو من يعطي دون أن يُسؤل فكيف إذا سُؤل. والحديث القدسي يقول:" أنا عند ظن عبدي بي فليظن عبدي بي ما شاء"، فكيف هو ظنك بالله؟ فليكن ظنك به أنه سيغفر لنا، وسيحقق لنا الدعوات الخاصة التي كنا ندعوه بها سابقاً فليكن لديك ثقة في الله، فهذا الموضوع من أكثر المواضيع التي وُجدت فيها الأحاديث والآيات واضحة لا تحتمل التأويل.
وهناك حديث قدسي آخر يقول: " يتنزل الله تعالى إلى السماء الدنيا في الثُلث الأخير من الليل فينادي هل من مُستغفرٍ فأغفر له، هل من تائب فأتوب عليه، هل هناك من له حاجة فأقضيها له" يقول النبي _صلى الله عليه وسلم_: "وذلك في كل ليلةٍ"، فقد تنام، أو تنسى، أو تسهو، ولكن هو كل ليلة ينادي عليك ليلبي حاجتك، فيا من لديه المشاكل والمصائب، يا زوجة يا من لم تنجبي، يا سيدات يا من لديكن مشاكل مع أزواجكن، يا شباب يا من لديكم نقص في الرزق، فلتذهب له وتدعوه، كما كان الصحابة يجهزون لشهر رمضان بمجموعة دعوات محددة ويرتبونهم ويعرفون كم مرة سوف يكررنوهم، فيقولون ندعو وندعو وندعو فوالله ينقضي رمضان ولا يأتي رمضان القادم إلا وقد أجاب الله لنا ما دعونا به.
وهذا الكلام مُجرّب، فسوف أحكي عن شيء عشته شخصياً، فكل الأشياء التي حدثت في حياتي كانت بسبب دعوات رمضان، فإنجابي الأولاد وراءه دعوات رمضان، والأعجب من ذلك كما حكيت من قبل أنني ظللت لمدة 10 سنوات لا أُرزق بالأولاد، ولكن الله رزقني بالولد بعد دعاء شديد يوم عرفات، وبعد هذه القصة كلما قابلت أحداً قال لي: لا تظن أنك وحدك ما حدث معه ذلك الموقف فهي ليست خصوصية فأنا أيضاً قد حدث معي ذلك فهذا الولد معجزة من الله وآية في الدعاء.
وانظر لسيدنا زكريا عندما قال :"...وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً"(مريم 4)،أي أنني ما دعوتك قط ولم تستجب لي، فكن متأكداً أن الله سيستجيب دعاءك ويلبي لك طلبك.
القرآن والدعاء:
والقرآن يمتليء بكم هائلٍ من الدعوات وبالأخص الدعوات الصعبة المستحيلة، فانظر لدعوة سيدنا سليمان في عصر لا يوجد به تكنولوجيا، كما في قوله تعالى: " قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي..."، فهل تحققت له أم لا؟ بل تحققت وحتى الآن نراه جميعا بأعيننا، وانظر لدعوة سيدنا إبراهيم كما في قوله تعالى: " وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ......"(البقرة126)، فكم عمر هذه الدعوة؟ وكم عاماً تستمر الدعوة؟ إنها تستمر ألوف السنين، فاذهب لمكة لترى الرزق وقل: سبحان الذي يُجيب الدعاء.
ودعوة سيدنا نوح تأخرت لمدة تسعمئة وخمسين عاماً حتى قال، كما في قوله تعالى " فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ* فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ * َوفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ".
ودعوة سيدنا يونس وهو في بطن الحوت "...فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ"(الأنبياء 87)، فاستجبنا له ونجيناه من الغرق.
فعليك بالدعاء وأن تكون على يقين من الإجابة، فانظر لسيدنا زكريا إذ قال كما في قوله تعالى:"قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ..من...."(مريم 4-5) أرأيت الثقة في الدعاء، فمن لديه هذه الثقة؟ ومن يقول أن الدعاء لا يُستجاب؟ فلا توجد دعوة لا تُستجاب فمن أسمائه تعالى المجيب، السميع، والبصير، فلتُحيي الأمل في نفسك مرة أخرى وجهز دعواتك للعشر الأواخر.
يقول عمر بن الخطاب أنا لا أحمل هم الإجابة ولكني أحمل هم الدعاء، فإذا أُلهِمت الدعاء، أُلهِمت معهُ الإجابة) وهذا الكلام يحدُثُ فعلاً، فعلى سبيل المثال: تكون مسافراً للعمرة وتقول لنفسك يارب مَكِّني من الدعاء لك كثيراً فقد تدعو الله قليلاً ثم تجد وأن كَمَ الدعاء وتركيزك وخشوعك قد بدأ يقل شيئاً فشيئاً حتى ينتهي، ولذلك يقول رسول الله_ صلى الله عليه وسلم_:" من فُتِحَ له بابُ الدُعاءِ، فُتَحِت له أبوابُ الجنة"، فقضيتك الأساسية كما قال سيدنا عُمر هي الدعاء وليس الإجابة فهذا أمر مفروغُ منهُ.
يقول أبو هريرة :" كانت أمي ( وهي غير مسلمة) تتكلم عن رسول الله كثيراً وتؤذيني فيه، فذهبت حزيناً إلى رسول الله_ صلى الله عليه وسلم_ لأني لا أعلم ما يمكن أن يحدث لها، فقال : " مالك يا أبو هريرة؟ " قلت: " يا رسول الله أمي كذَّبتك ولم تؤمن بك وآذتني فيك فادعُ الله أن يهدي أمي "، فقال النبي: " اللهم إهد أم أبي هريرة، اللهم إهد أم أبي هريرة "، فقال: " فرجعت مُستبشراً بدعوة النبي _صلى الله عليه وسلم_ ولكن يحدوني الهم، فطرقت الباب فقالت: " من؟ " ، فقلت: "أبو هريرة"، فقالت: "مكانك"، ثم فتحت لي وقالت: " اسمع يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله "، فبكيت وعدت إلى رسول الله وقلت له: " يا رسول الله لقد استجاب الله دعائك فقد أسلمت أمي "، فقال: " الحمد لله"، فقلت: " يا رسول الله اُدعُ الله أن يُحببني أنا وأمي إلى المؤمنين ويُحبب المؤمنين إلينا "، ثم يقول: " فما سمع بي مؤمن في المدينة إلا وأحبني منذ ذلك اليوم ".
الشيطان والدعاء:
وهنا يأتي السؤال هل تتذكر كم دعوةٍ دعوتها وأجيبت لك؟ فالمشكلة الكُبرى أن الشيطان يُنسيك، فقد كنت سابقاً تدعُ الله ويُستجاب لك ليس في الحال، ولكن بعد مرور عدةِ أيامٍ ولكن الشيطان قد أنساك هذا، ولماذا ينسِك الشيطان هذا؟ لأنه يعلم أن معك سلاح قوي جداً فلو علمت أن دعوتك تُستجاب تكون قد عرفت الطريق للمجيب السميع البصير، لذا ينسيك ويوهمك بأن أحداث الزمن هي التي حققت لك دعائك.
أوقات إجابة الدعاء:
نحن الآن في أيام إجابة الدعاء وهي العشر الأواخر من رمضان، والتي من أوقاتها أيضاً الثُلث الأخير من الليل، وليلة القدر، والصائم عند فطره، وأثناء العمرة والحج، فها أنت لديك خمس أسباب تجعل من دعوتك دعوة مستجابة هذه الأيام، فاللصائم عند فطره دعوة لا تُرد ، وتتجلى عظمة الخالق في ناحية أخرى، فلو جئت الآن وطلبت منك أن تفعل شيئاً لي وجاءك شخص آخر أثناء حديثي معك يطلب منك طلباً آخر سوف تقول له أن ينتظر حتى تنتهي من حديثك معي ثم يستطيع أن يطلب منك ما شاء، فسبحان الله الذي لا يشغله سمعٌ عن سمع ، والذي في هذه الليالي العظيمة يطلُب الملايين منه طلبات مختلفة ويلبيها جميعاً، وهنا ترى العقيدة التي اكتسبها المسلمون بالفطرة فلا تجد أن أحداً يطلب من الآخر أن لا يدعو الله حتى يدعوَ هو فقط لأن كلنا موقنون أنه يسمعنا جميعاً.
هل تعرف أن أكثر طريقة تذل بها نفسك لله تعالى هي الدعاء، وأكثر طريقة تُشعرك بقربك منه هي أيضاً الدعاء.
شروط إجابة الدعاء:
هل تريد أن يُستجاب لدعائك؟ إذن فاحفظ هذه الأشياء الأربعة والتي علّمها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
1. اليقين في الإجابة: فكيف تريد المجيب أن يستجيب لك إن كنت لا تصدق أنه يستطيع فعل ذلك، فالرسول _صلى الله عليه وسلم_ يقول: " ادعوا الله وأنتم موقنون في الإجابة " مهما كان ما تريده بعيداً وصعب المنال، لذا أريد منك أن تزيد نسبة يقينك فلا تكون أقل من 99% فالرسول _صلى الله عليه وسلم_ يقول:" إن الله يقول إذا دعا أحدكم فلا يقل ربي لو شئت " فلا تدعو الله وتقول إن شئت أعطيتني سيارة كذا وكذا بل اعزم في المسألة.
2. الخشوع أثناء الدعاء: فالنبي _صلى الله عليه وسلم_ يقول:" إن الله لا يستجيب من قلب غافل لاهٍ" فلتتخيل شخصاً يريد أن يرمي سهماً ولكن القوس مرتخي فسوف يسقط السهم تحته مباشرةً، لذلك يقول الله تعالى:"أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ...."(النمل 62)، فلماذا المضطر؟ لأنه خاشع ولديه نائبه، وفي هذا يقول عبد الله بن عمر:" أنا أعلم متى يُستجاب دعائي"، فقالوا له:" كيف ذلك "؟ قال:" إذا خشع القلب واهتزت الجوارح ودمعت العين أقول هذا وقت إجابة الدعاء" يقول أحد الصالحين:" مثل المؤمن حين يُستجاب دعائه كمثل رجل في بحر هائج تحطمت به سفينته فتعلق بخشبة، يريد النجاة من الأمواج فيقول:" "يارب، يارب"، فهكذا مثل المؤمن حين يُستجاب دعائه".

3. عدم الاستعجال: فالنبي _صلى الله عليه وسلم_ يقول:" يُستجاب لأحدكم ما لم يستعجل" فكيف يستعجل؟ بأن يقول دعوت الله ودعوت ودعوت فلم أرَه يُستجب لي فيترك الدعاء فلا يُستجاب له، وهذا كأن يقوم شخص ما بزراعة نبتة تحت الأرض فيسقيها ويرويها المرة تلو الأخرى حتى يَمَلّ بعد مرور أسبوع لأنها لم تنبت خارج الأرض بعد، فهناك بعض الأشجار تنبت بعد مرور عشرين عاماً فيتركها على الرغم أنها كانت على وشك الخروج ، لذا فإياك والاستعجال فهناك بعض الدعوات يدعوها الفرد عشرة أعوامٍ حتى يُستجاب لها ، فقد تتأخر الإجابة لمصلحتك وقد تتأخر لأن زمانها لم يأتِ بعد، وقد تتأخر لأن الله يريد أن يسمع صوتك فهو يريد أن يعلمك أن ترجع إليه كثيرًا، فربما إن أجابك سريعاً لن تأتِ إليه غداً، لذا فأنت تحتاج إلى بعض التدريب على القرب منه، فيسأل سبحانه وتعالى الملائكة:" يا ملائكتي أدعاني عبدي؟ يقولون: نعم ياربي، يا ملائكتي هل ألحّ علي عبدي؟ فيقولون: نعم ياربي، يا ملائكتي أخروا مسألة عبدي فأني أحب أن أسمع صوته"، فالدعاء عبادة جميلة وهي من أحلى وأرق العبادات، ففي بعض الأحيان خمس دقائق دعاء بقرب وذل شديدين تُعادل صلاة تراويح، فأحياناً تخاطبه وأنت ساجد وتقول يارب فتحس كأنك مالكٌ للدنيا وما فيها، وتحس بأن قلبك هو الساجد وبأنك لا تريد القيام من السجدة.
4. أكل الحلال: فقد ذهب سعد بن أبي وقاص إلى النبي _صلى الله عليه وسلم_ وقال:" يا رسول الله ادعُ الله أن أكون مُستجاب الدعوة "، قال: " يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة" فبدأ في التركيز أكثر فأكثر في أكل الحلال فكان لا تُرَدُّ له دعوة "، بعض الناس يقولون لقد صعّبت هذا الأمر علينا فنحن لدينا بعض الشكوك، أقول لهم تصدّقوا كثيراً هذه الأيام، ولذلك يوصي بعض العلماء أن تجعل قبل دعائك صدقة حتى يتطهر مالك، يقول النبي _صلى الله عليه وسلم_ إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث، أغبر- ودعوة المسافر مستجابة، فهو مستوفي لكل الشروط- فيرفع يديه ويقول يارب يارب- عشر مرات- ولكن مأكله حرام وملبسه حرام وغُذّي بالحرام فأنّى يُستجاب له)، لذلك يكفيك مع أكل الحلال القليل من الدعاء فيستجاب لك.
فلتحافظ على الشروط الأربعة لتضمن الدعاء والإجابة إن شاء الله، فكلما وجدت لحظات خشوع وعينك تدمع فعليك بالدعاء، فهذه لحظات إجابة، ولتنظر لقصة سيدنا زكريا، فكان كلما دخل على السيدة مريم المحراب وجد لديها رزقاً، إما طعام أو نعم من عند الله أو خضوع وخشوع وبكاء وكل هذا رزق من عند الله ، فالآية تقول: " هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ...."(آل عمران 38)، فعندما رأى آيات من الله وقرب من الله رغم أنه ليس معه ولكن أحياناً عندما ترى شخصاً يعبد الله يرق قلبك وفي هذه اللحظة دعا زكريا ربه عندما رأى معجزات وآيات من الله "...... قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ"(آل عمران 38-39)، فأينما تجد هذه اللحظات ادعو الله وقد تجدها في ليلة 27 من رمضان أو الليال الوترية من شهر رمضان أو وأنت تقرأ القرآن أو وأنت تقود السيارة ويرق قلبك فجأة فانتهز الفرصة وأدعو الله ولا تقل يجب أن أكون جالساً بل تكلم مع الله بما يجول في قلبك وليس من الضروري أن يكون الكلام مُسترسلاً مُنمقاً بل يكفي أن تناجي الله بما في قلبك باللغة العامية وليست الفصحى بالضرورة، فقد أتى رجل إلى النبي _صلى الله عليه وسلم_ وقال: "يا رسول الله أنا لا أجيد دندنتك ولا دندنة معاذ"، فقال له:" فماذا تقول أنت يا رجل؟ قال:" أقول اللهم إني أسألك الجنة، اللهم نجني من النار "، فقال النبي: " حولها أدندن أنا ومعاذ ".

بداية العشر الآواخر من رمضان

نحن مقبلين على أهم عشرة أيام في السنة، مقبلين على ليلة القدر، وكلمة اليوم كلها ستدور حول الاستعداد النفسي للعشر الأواخر، كيف ستكون الهمة، وماذا تنوي أن تفعل في هذه الأيام، وكيف سيكون استقبالك لها، وإذا كنت قد قصرت في العشرين يوم التي مضت، فهل هناك من أمل بأن تعوض هذه الفترة التي فاتتك؟ فإذا كنت بعيداً عن الله والمعاصي قد كثرت في تلك الفترة، فهل عندك القدرة والاستعداد أن تعوض كل هذا؟ وهل الله عزّ وجل في العشرة أيام القادمة سيعطيك الإمكانية، ويغفر لك كل ما فات ويمحو ويسامح


الحلقة(20) حادثة الأفك

هدف قصة الإفك:
هذه القصة في سورة النور، حوالي 20 آية في سورة النور. تتحدث عن كيفية تعامل المجتمع مع الشائعات. فالقصة تتحدث إلى الصحافة، والإعلام، ومحذرة إياهم من ترويج الشائعات، وموجهة للسيدات اللواتي يكدن إلى سيدات أخريات، فتقوم بترويج الشائعات، وهي موجهة أيضاً للشباب في الجامعة الذين يتحدثون عن البنات في الجامعات.

تألم النبي ألماً شديداً بسبب ذلك فقد أوذي إيذاءً شديداً وتأخر الوحي شهراً كاملاً. لكي تتعلم من ذلك ولا تتكلم عن شرف أي إنسانٍ، أو تنشر شيئاً يسئ إليه، أو تتحدث عن عرضه. فهناك الكثير من الدروس في القصص القرآنية، يقول الله تعالى "أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً" (النساء82) ويقول الله تعالى "أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا "(محمد24).

الوضع في المدينة:
المدينة بها 700 منافق تقريباً، يرأسهم عبد الله بن أبيّ بن سلول، فقد كان شديد الكراهية للنبي _صلى الله عليه وسلم_ وللمؤمنين، وكان يخطط أن يكون ملكاً على المدينة، وكان ذلك في بداية هجرة النبي _صلى الله عليه وسلم_ للمدينة، فتركه الناس، وذهبوا لاستقبال النبي؛ فلذلك كره النبي، وكان يُظهر الإسلام، ويبطن الكفر والنفاق، ومعه 700 شخص. عندما حدثت غزوة أحد، خرج مع المسلمين في الغزوة، ولكن قبل المعركة ببضع ساعاتٍ، رجع و معه ثلث الجيش؛ سعياً لهز الجيش ولكن المسلمون انتصروا في هذه الغزوة، وانتصروا أيضاً في غزوة الخندق. فأدرك أن السلاح لا يجدي، فلجأ إلى الشائعات، واستهدف بذلك الرسول _صلى الله عليه وسلم_ لكي يفكك المجتمع من الداخل.

كانت هناك غزوة تسمى بني المصطلق، سنة 5 هـ، فقد أراد البعض مهاجمة المدينة، فعلم النبي بذلك من الصحابة، فجهز جيشاً لكي يهجموا عليهم قبل دخولهم المدينة، فخرج المنافقون معهم لكي يشعلوا فتنة داخلية، وذهب المسلمون إلى المعركة، وانتصر النبي _صلى الله عليه وسلم_ في المعركة، وعند رجوعه مع الصحابة ارتاح الجيش في الطريق، واتُهمت السيدة عائشة في عرضها، وهي زوجة أشرف الخلق، وابنة أبو بكر الصديق، اتُهمت بالخيانة مع أحد أصدقائه، فكان شيئاً موجعاً.

يجب أن تصبر في الحياة؛ وذلك لكي يظهر المؤمن من غير المؤمن، "...وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً " (الفرقان20) فالحياة هكذا ولا يوجد مثالية فيها، فهناك صراع بين الخير والشر، ومعركتك هي أن تنتصر على الشر.

قصة الإفك:
تحكي السيدة عائشة القصة وتقول:" كان النبي _صلى الله عليه وسلم_ إذا أراد الخروج إلى غزوة أقرع بين نساءه" - وهذا يدل على أن النساء يخرجن للغزوات، ويشاركن الرجال في المعارك، فهذا هو وضع المرأة في عهد النبي _صلى الله عليه وسلم_، المشاركة، والاحترام، - فخرج سهم السيدة عائشة، فتقول: "فخرجت معهم فانتصر الجيش، ونزل ليستريح، فذهبت لأقضي حاجتي، فعدت وقد نودي للجيش بالرحيل، فنظرت إلى عقدي وقد كان لامرأة من نساء الأنصار"- وهذا يدل على أهمية رد الأمانات - فتقول: "فالتمست العقد فلم أجده، فعدت مسرعة أبحث عن العقد، فوجدته، فعدت، فلم أجد الجيش، وكانت النساء خفيفات؛ لم يثقلهن اللحم، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه، وانطلق الجيش، وجلست وحدي في الصحراء، في مكاني، وقلت سيفتقدونني، ويعودون إلي ، فغلبتني عيناي، فنمت، وكان رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يترك في مؤخرة الجيش صحابي، شهد بدراً، اسمه صفوان بن المعطل، كان يتفقد ويراقب مؤخرة الجيش، ليرى إذا تخلف شخص، أو فقد شخص متاعه، فجاء فرآني، فعرفني، فأعطاني ظهره، ونادى ليوقظني، وقال:"إنا لله وإنا إليه راجعون"، فاستيقظت، وأناخ الجمل، فركبت، ووالله ما تكلم معي كلمة، وما تكلمت معه كلمة، فوصلنا إلى الجيش، فرآنا عبد الله ابن أبيّ بن سلول، فبدأ يتكلم سراً بين المنافقين، وبدأ ينشر، ويقول أين كانوا؟ ماذا فعلوا؟ وبدأ الخبر ينتشر وسط الجيش".

تخيل موقف أبو بكر الصديق، رفيق النبي، ووالد زوجة النبي، وابنته حبيبة النبي! لذا سميت القصة بحديث الإفك؛ فالإفك هو (البهتان، والزور، والافتراء الذي لا أصل له).

تقول السيدة عائشة:" أن من رحمة الله عليها أنها عندما رجعت مرضت شهراً"، فهي لم تعرف القصة إلا بعد شهر إلا ثلاثة أيام، وتخيل لو عاشت شهراً هكذا، ماذا كان سيحدث لها؟ فيجب أن يتعلم المجتمع وأن يتعلم المسلمون درساً إلى يوم القيامة، ولو لم ينضبط اللسان بعد هذه القصة؛ ستكونون شركاء في إيذاء رسول الله، لأنكم لم تتعلموا، لذلك لا تتحدث عن عرض أي إنسان ولو حتى بالإشارة أو بالرسالة.

تقول السيدة عائشة: "فبقيت شهراً مريضة ولا أدري ما يقول الناس ولا يغيبني، – أي لا يوجد ما استغربه- غير أن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يدخل علىَّ مهموماً، وطريقة سلامه مختلفة، فيدخل عليّ رسول الله ويقول: "كيف تيكم ؟"، ولا أجد ما كنت أجد منه من الوُد". فبالرغم من ذلك لم يكلمها الرسول عن أي شي طيلة هذه المدة. ما موقف أبو بكر الصديق؟ ما موقف صفوان بن المعطل؟ ما موقف عمر بن الخطاب؟

مضى شهر إلا ثلاثة أيام، وبدأت السيدة عائشة تسترد صحتها، فتقول:"خرجت مع أم مسطح"، -ابنها مسطح بن أثاثة ابن خالة السيدة عائشة، فهو مهاجر، وفقير؛ ينفق عليه أبو بكر لأنه مهاجر فقير-. فتقول: "خرجت مع أم مسطح إلى الخلاء، فبينما نحن نسير، عثَرَت أم مسطح، فقالت: "تعس مسطح" ،فقلت لها:"أتسبين رجلا شهد بدراً، من أصحاب رسول الله، ومهاجر؟" قالت:" أوما تدرين ما قال فيكي؟"، قلت: "وما قال فيَ؟"، فأخبرتني بقول أهل الإفك"، وقالت لها أن كل المدينة تعرف ذلك.

دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم:
هذه القصة من دلائل النبوة، فالدليل الأول أن الوحي تأخر شهراً، ولو كان يكتبه الرسول بيده لكتب ما يريد مباشرة، ولكن هذا من دلائل النبوة، والدليل الثاني هو رفض الرسول_ صلى الله عليه وسلم_ إصدار أي عقوبة على من يتكلم على زوجته، فهو النبي الزوج، والنبي القائد، ولكنه لم يستخدم سلطته كزوج في موضوع يخص الأمة، فهذا يدل على الحرية، وعدم الظلم.

يقول أحد المستشرقين: "كلما شككت في نبوة محمد، نظرت في قصة حديث الإفك، فأتوقف، وأقول:" لا يكون هذا إلا نبي"؛ وذلك لأن الوحي تأخر شهر بدون حل لهذا الموضوع، وكذلك لأنه لم يستخدم سلطته، فهذا يدل على نبوته.

تقول السيدة عائشة "فجريت إلى رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ فوجدته مهموما"، متى كان شعور الرسول بالهم أكثر، في غزوة أحد، أم حديث الإفك؟. ففي غزوة أحد كسرت رباعيته، وشج في رأسه، وانهمر وجهه بالدماء، فكانت فاطمة بنت رسول الله تغسل الدم بالماء، ولكن لا يتوقف الدم، إلى أن جاء سيدنا علي بخرقة، حرقها حتى صارت رمادا، ثم ألصقها بالجرح، فاستمسك الدم، فرفع النبي يديه إلى السماء، فظنوا أنه سيدعوا عليهم، ولكنه قال: " اللهم اهدي قومي فإنهم لا يعلمون"، فبالرغم من ذلك نظن أن الأصعب هو حديث الإفك؛ لأنه اتُهم في أهل بيته، فكل ذلك لكي نتعلم أن نمسك ألسنتنا عن أعراض النساء.

فقالت السيدة عائشة للرسول _صلى الله عليه وسلم_:"اأذن لي أن أعود إلى بيت أبي أمرض"، فقال:" نعم إن شئت"، فذهبت إلى أمي فقلت:"أوسمعت ما قال الناس؟"، قالت:" نعم"، فقلت:" وما تقولين؟"، قالت:"يا بنيتي، ما من امرأة حسناء، محبوبة عند زوجها، ولها ضرائر؛ إلا أكثرن عليها"، فقالت :"أوعلم رسول الله"، قالت:"نعم"، قلت:"أوعلم أبي؟"، قالت:" نعم"، فصعدت إلى سطح المنزل، فوجدت أبي يقرأ القرآن، فقلت:"أوقال الناس فيَ"، فقال:"كنا آل أبي بكر في الجاهلية لا يذكرنا أحد بسوء، وقد أكرمنا الله بالإسلام، أيقول فينا المنافقون ذلك".

لم ينزل جبريل طيلة هذه الفترة، حتى يصفى الناس؛ ويتعلموا فقد قال الله تعالى :"... لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ..."(النور11).

أقسام الناس في المدينة:
انقسمت المدينة إلى أربعة أقسام:

القسم الأول: لا يصدق، لكنه الأغلبية الصامتة، لا يكذب، ولا يدافع.

القسم الثاني: صنف أقلية، ترفض، وتكذب، منهم أبو أيوب الأنصاري وزوجته فيقول لها:
" أسمعت ما يقول الناس؟"، قالت:"نعم"، قال:"لو كنت مكان عائشة، أكنت تفعلين ما يقولون عنها؟"، قالت:"لا"، قال:"فعائشة خير منك"، قالت:"وأنت لو كنت صفوان، أكنت تفعل ما قالوه عن صفوان؟" قال :"لا، معاذ الله"، قالت :"فصفوان خير منك".

القسم الثالث: المنافقون، وكانوا يقومون بترويج الشائعات.

القسم الرابع: المؤمنون، ولكنهم تكلموا في هذا الموضوع، ومنهم مسطح بن أثاثة، الذي ينفق عليه أبو بكر، ومنهم أيضاً حسان بن ثابت، شاعر النبي، الذي قال له النبي :" قل يا حسان وروح القدس يؤيدك".

ماذا فعل صفوان؟ ثارت ثائرته؛ عندما سمع أن حسان قد تكلم عنه، فأخذ قوسه، وذهب إلى حسان، وشج رأسه، وقال:"أتتهمني في عرضي؟!"، فذهب حسان إلي النبي ليشكوَ له، فنادى النبي صفوان بن المعطل، وقال له:"يا صفوان، ما أمرنا بذلك، إما أن ترضيه او أرد إليه حقه"، فقال:"ليس معي ما أرضيه"، فقال له:"أنا أعطيك".

أحد المستشرقين كان يجلس مع أحد العلماء، فسأله:"بأي وجه استطاعت السيدة عائشة أن تواجه المجتمع وتقابل المجتمع بعدما قيل عنها؟"، فرد عليه العالم، وقال:"بنفس الوجه الذي قابلت به مريم الناس عندما أتت به قومها تحمله، قابلتهم بوجه الصادقة، الواثقة من براءة الله عز وجل".

تقول السيدة عائشة :" فظللت ثلاثة أيام لا يرقي لي دم، ولا أكتحل بنوم، ولا يغمض لي جفن؛ حتى ظننت أن كبدي سينفطر من شدة البكاء".

موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم:
هناك أربعة حلول أمام النبي صلى الله عليه وسلم:

الحل الأول: هو أن يطلقها ولكنه لم يفعل ذلك.

الحل الثاني: أن يدافع عنها بقوة، ويستخدم سلطته كقائد؛ بإصدار قرار بعدم الحديث عن زوجته السيدة عائشة، ولكنه لم يفعل ذلك، لأن النبي زوج فلا يصلح له أن يستخدم القيادة في الدفاع عن زوجته.

الحل الثالث: أن يترك الموضوع للمجتمع، يختار ما يشاء.

الحل الرابع: وهو الذي اختاره النبي، وهو أن يتحدث مع شرائح مختلفة في المجتمع، فبدأ بالحديث مع أم أيمن الجارية، وقال:"أوسمعت ما يقول الناس يا أم أيمن؟"، قالت:"نعم يا رسول الله"، فقال:"فماذا تقولين يا أم أيمن؟"، فقالت:"أحمي سمعي وبصري يا رسول الله، والله ما علمت عنها إلا خيراً يا رسول الله".

ثم ذهب إلى زينب بنت جحش زوجته؛ لأن أختها قد تحدثت عن السيدة عائشة، فقالت:"أحمي سمعي وبصري يا رسول الله، والله ما علمت عنها إلا خيراً" .

فانتقل النبي لشريحة الشباب، فذهب إلى أسامة بن زيد، فقال له:"ما تقول يا أسامة؟" فقال:"الله أكبر يا رسول، أهل بيتك يا رسول الله، وما أعلم عنهم إلا الخير". فذهب لسيدنا علي فقال:
"وما تقول يا علي؟"، قال :"يا رسول الله النساء غيرها كثير، طلقها وتزوج غيرها".

بعد ذلك ذهب إلى سيدنا عمر بن الخطاب فقال:"يا رسول الله من الذي زوجك إياها"، قال:
"الله"، قال:"أيظنون أن الله يزوجك إياها ويدلس عليك"، فقال:"قل لهم يا عمر"، فهذا يدل أن الرسول يعلم أنها بريئة.

موقف رسول الله يدل على الحكمة، والصبر، والترتيب؛ فقد أخذ رسول الله رأي الشباب والنساء والكبار، وجمع الناس، ثم صعد الرسول على المنبر، وقال:"أيها الناس من يعذِرَني في رجل آذاني في أهل بيتي، وما علمت على أهل بيتي إلا خيراً، ولقد ذكروا لي رجل ما علمت عنه إلا خيراً، وما دخل على أهل بيتي في غيابي أبداً، فيقوم أسيد بن حضير سيد الأوس، وهو من الأنصار الصادقين، فيقول:"يا رسول الله إن كان من الأوس قطعنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج مرنا فلنقطع عنقه، فقام سعد بن عبادة صحابي من سادة الخزرج، فقال:"كذبت والله لا تقدر أن تقطع عنقه"، فقال له أسيد:"بل أنت الذي كذبت أنت منافق تدافع عن منافق"، فقام الأوس والخزرج كل يشد سلاحه، فنزل النبي من على المنبر، وقال :"دعوها، أبدعوى الجاهلية وأنا بينكم؟ عودوا إلى بيوتكم".

تقول السيدة عائشة فبكيت هكذا ثلاثة ليالي، حتى أتاني النبي _صلى الله عليه وسلم_، فدخل عليَّ وعندي أبواي، وقال :"يا عائشة إن كنت بريئة فسيبرئك الله"، وإن كنت قد أذنبتي فاستغفري الله، فإن الله يغفر للعبد إذا أذنب وتاب"، تقول السيدة عائشة:"فتوقف الدمع في عيني ونظرت إلى أبي وأمي" وقلت لهم:"أفلا تجيبون رسول الله؟"، فقالوا :"والله لا ندري بما نجيب رسول الله"، فقالت:"والله أرى أن أمراً استقر في نفوسكم وصدقتم، فإن قلت لكم واعترفت بشيء لم أفعله صدقتموني، وإن قلت لكم لم أفعله لم تصدقوني، والله لا أجد لي ولكم إلا قول أبا يوسف – مما هي فيه نسيت اسمه وهو يعقوب وقالت أبا يوسف-:"فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون". تقول:"فقبل أن ينهض النبي _صلى الله عليه وسلم_ من مجلسه قمت إلى سريري، ادعو الله:"اللهم إني أعلم أنك ستبرئني".

براءة السيدة عائشة من فوق سبع سموات:
تقول:"فبينما أنا على سريري أدعو الله وكل ما أتمناه أن يبرأني الله، فإذا برؤية يراها رسول الله في المنام، وإن نفسي عندي أوهن من أن ينزل فيها قرآناً، فنزل قرآناً يُتلى إلى يوم القيامة"، تقول:"فبينما رسول الله عندنا إذا بالوحي ينزل، ويضحك النبي"، ويقول:"يا عائشة أبشري برَأكِ الله عز وجل"، فقال أبو بكر وعمر:"قومي لرسول الله اشكريه"، فقالت:"لا والله لا أقوم لرسول الله، ولا أقوم إليكما، ولا أسجد إلا لله عز وجل هو الذي برأني فسجدت شكراً لله عز وجل ونزلت الآيات "إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ "(النور11) ثم نزلت القاعدة القلبية "لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ "مثل ما فعل أبو أيوب الأنصاري، أما القاعدة العملية التشريعية "لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ* وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ* إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ* وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ* يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ*وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ* إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ*وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ رَحِيمٌ "

قال أبو بكر أنه لن ينفق على مسطح فنهاه الله تعالى عن ذلك وقال"وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" وذلك يدل على أهمية صلة الرحم ويجب على كل إنسان أن يعفو ويسامح أخيه حتى يعفو الله عنه. ويقول الله تعالى "إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ* يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ* يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ"

الآداب الإجتماعية التي تشتمل عليها سورة النور:

• تزويج الشباب:

يقول الله تعالى:"وَاَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ* وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ... "

• الاستئذان:

يقول الله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ "

• غض البصر:

يقول الله تعالى :"قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ "

• الحجاب:

يقول الله تعالى :"وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ "

الخاتمة:

سميت بسورة النور؛ لأن الإنسان لو نفذ هذه الآداب؛ سيستنيرُ المجتمع، ومصدر النور هو الله سبحانه وتعالى"اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ... " وينزل هذا النور في المساجد "فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ" وينزل هذا النور على "رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ " ويصف الله من لم يفعل هذه الآداب الإجتماعية "أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ "ولذلك يجب أن نقرأ سورةُ النور ونعمل بما فيها من أحكام؛ لكي يستنيرَ المجتمع


الحلقة (18) موسى والخضر - الجزء الثاني

الرضا والإيمان بالقدر خيره وشره:
حلقة اليوم تتمحور حول ركن من أركان الإسلام، وهو الإيمان بالقدر - خيره وشره- والرضا، فلا يمكن أن تؤمن بالقدر - خيره وشره- ولا يمكن أن ترضى إلا إذا فهمت ثلاثة أسماء من أسماء الله الحسنى وهي: اسم الله "العليم"، واسم الله "الحكيم"، واسم الله "الرحيم"، فبقدر إيمانك ويقينك وثقتك بهذه الأسماء، ترضى عن قدر الله في حياتك وترضى عما لا تجد له تفسيرا في الكون وعما تراه متناقضا في الكون، وتبكي من حبك لعلمه ورحمته. يقول ابن القيم: "الرضا باب الله الأعظم ومستراح العابدين وجنة الدنيا". أقسم بالله لم تسقط ورقة من شجرة إلا بعلم ولحكمة من الله – عز وجل- فما بالك بإعصار أو بحادثة سير؟ يقول الله تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }(الأنعام59)، فلا شيء إلا ويحدث لحكمة من الله وكل حكمة متعلقة بالخير المتلقى، فلا يصدر عن الله الشر أبدًا، وإن بدا لك أن ما يحدث متناقضا أو شرًّا فلا يمكن أن يكون إلا خير، وهذا ما توضحه قصة "موسى – عليه السلام- والخضر".


تأويل القصة الأولى:
يقول الخضر لموسى – عليه السلام- عن الرحلة الأولى والسفينة التي ثقبها الخضر، قال تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} (الكهف 79)، فهذه السفينة كانت مِلكًا لمساكين، تعتبر مشروعهم الاقتصادي، وهي للقرية كلها، هؤلاء البحارة يكسبون الرزق للقرية بكاملها بهذا المشروع البسيط، وكانت هذه السفينة في طريقها في الإبحار إلى البلد المجاور لهم، ولم يعلموا، أن بها ملكا يأخذ أي سفينة سليمة ليضمها إلى أسطوله، فخاف الخضر على القرية، وكان الحل أن يضرّ الخضر السفينة ضررا أصغر ليحمي السفينة من ضرر أكبر، فعندما يعاين الملك السفينة لا يأخذها لما فيها من خرق، فيحمدوا الله على ذلك. فلنتخيل إن لم يخرق الخضر هذه السفينة، فماذا سيحدث؟ كان الملك سوف يستحوذ على السفينة، وإن اعترض أحد البحارة سجنه أو قتله وستتيتم أطفاله، وسيضيع رزق قرية بأكملها، كان هذا واردًا إن لم يتدخل الخضر.

معنى وقيمة الرضا:
قد تكون أي مشكلة تؤرقك في حياتك خيرا لا تعلمه أنت، وإن حاولت أن تتذكر أكبر إنجازات في حياتك، فسوف تجد قبلها أزمة شديدة أدت إلى هذا الإنجاز، فبسبب قصة ذبح إسماعيل – عليه السلام- التي قد تبدو في أولها أزمة، كانت سببا بعد ذلك في إطعام فقراء العالم إلى يوم القيامة في عيد الأضحى، ومن دون أزمة السيدة هاجر وابنها إسماعيل – عليه السلام- ما كانت تفجرت عين زمزم، ولولا إلقاء يوسف – عليه السلام- في البئر ما نجت مصر من المجاعة، فبسبب الصراع بين الأوس والخزرج، وجد الأنصار الخلاص عند رسول الله – صلى الله عليه وسلم- فقبلوه، ولولا حروب الردة وما كان فيها من تدريب للمسلمين، وما انتصروا على الفرس والروم، مما أدى إلى إسلام مصر والعراق وفلسطين.

جزاء الرضا:
احمد الله وارضَ عنه ووارض بقضائه وقدره في حياتك، فكلمة "الرضا" تعني ترك الاعتراض على الله –سبحانه وتعالى- في ملكه، وأن تقف مع الله حيث أراد، لذا فمن قال حين يصبح وحين يمسي ثلاث مرات: "رضيت بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد – صلى الله عليه وسلم- نبيًّا ورسولاً-" وجب على الله –سبحانه وتعالى- أن يرضيه في ذلك اليوم، ولذا أيضًا بعد كل آذان: " رضيت بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد – صلى الله عليه وسلم- نبيًّا ورسولاً-" غفرت له ذنوبه، ولذا يقول النبي – صلى الله عليه وسلم-: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد – صلى الله عليه وسلم- نبيًّا ورسولاً "، فهذا هو المؤمن بحق. جاء رجل للرسول – صلى الله عليه وسلم- يقول: "أي العمل أفضل؟" قال الرسول – صلى الله عليه وسلم-: "إيمان بالله ورسوله، وجهاد في سبيله" فقال الرجل:"هل هناك شيء أهون من ذلك؟" فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: "ألا تتهمه في ملكه، ألا تتهمه في شيء قضاه". كأن الله يقول لنا إن لم ترضوا بقضائي فاخرجوا من تحت سمائي. فتخيل ابنًا مرض ولابد من بتر يده وإلا مات وأمه ترفض أن تقطع يده، والأب مصر على قطع يده، فمن أشد رحمة بالولد؟ أبوه أشد رحمةً به لأنه سيموت إن لم تقطع يده، يقول الله تعالى: {...الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(المائدة3 )، فقد رضي الله لك به، فهلا ترضى أنت؟

تأويل القصة الثانية:
يقول الله تعالى: {وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا} (الكهف80-81)، فالله العليم يعلم كيف سيكون مستقبل هذا الولد؟ فهذا الغلام الذي لم يبلغ بعد سيكون طاغية، وكلمة (طاغية) معناها في القرآن أشد بكثير من (ظالم)، وكلمة طاغية لا يوصف بها إلا القلائل من عُتاة الإجرام في الأرض، من أمثال هتلر وغيره، وسبب طغيانه في الآية هو كفره، لأن كفره لنفسه، أما بطغيانه سوف يفسد في الأرض، ويأتي هنا السؤال عن الحكمة وراء خلق الفتى، ربما كتب لوالديه درجة عالية في الجنة، لا يبلغاها إلا بوفاة ابنهما، أو ربما يرزقهما الله بعدها بولد آخر فيعيشان حامدين لله باقي العمر، أو قد تكون وفاته رحمة للشباب أمثاله ليأخذوا عبرة ويرجعوا إلى الله، أما الولد فكان إن بلغ سيكون مصيره إلى النار لطغيانه، أما بوفاته قبل بلوغه فقد أصبح مصيره إلى الجنة، فمن وراء موته انتفع المجتمع وانتفع والداه وانتفع هو.

أمثلة أخرى للرضا:
لقد زرت أمًّا فقدت ابنها، وكانت الأم منهارة، فأخبرتها أن أحيانًا يموت الابن في سن صغيرة لحكمة، فإن استغفرت له واعتمرت له وبعثت له من الحسنات يكون مصيره الفردوس الأعلى، قد يكون منالها له صعبًا إن بقي على قيد الحياة، ولولا موته ما كنت أقدمت على هذه الحسنات، فيكون موته رحمة لك وله. فقد ذهب عروة بن الزبير لزيارة أمير المؤمنين، وكان معه ابنه الصغير، فأتاه ألم شديد، ونصحه الأطباء ببتر ساقه لمرضه، وفي اللحظة نفسها كان ابنه يلعب مع الخيل، فدهسته الخيل ومات، ففي اللحظة نفسها فقد ساقه وولده، فعندما أتاه الناس لا يدرون بما يواسونه، فينظر لهم ويبتسم ويقول لهم: "اللهم لك الحمد كان عندي سبعة عيال، أخذت واحدا وأبقيت ستة، وكان عندي أربعة أطراف، فأخذت واحدا وأبقيت ثلاثة، فلك الحمد، فإن كنت أخذت فقد أبقيت، وإن كنت منعت فقد أعطيت، فلك الحمد"، فقد أصاب الصحابي "عمران بن حصيل" مرض مُقعد، يجعله لا يترك فراشه، وقد لازم فراشه شهورا وسنين، فعندما يأتي له الناس لزيارته، يقول لهم: "شيء أحبه الله أحببته، والله ما لي في الأمور من هوى إلا مراد الله".
عندما قُتل سيدنا حمزة – رضي الله عنه- يوم بدر، ومُثل بجسده وجاءت هند وشقت بطنه لتأخذ كبده، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم- للزبير، ألا تراه السيدة صفية أمه وأخت حمزة، فوقف الزبير ليمنع السيدة صفية من المرور، فقالت له: "أتخشى علي، والله إن ما حدث لحمزة بجوار عطاء الله لنا لقليل، ولقد أرضانا كثيرًا"، فلما سمع النبي – صلى الله عليه وسلم- قال: "أئذنوا لها أن تره".
لي صديق اسمه عاصم، فقد ابنته وكانت في الثامنة عشر من عمرها منذ شهرين، رحمها الله، وقد تألم كثيرًا، ولكنه يقول لي، أنه عاش مع ابنته ثمانية عشرة عامًا، وقد أنعم الله عليه بمتعة قضاء هذه الأعوام مع ابنته، التي كانت ترسل له رسائل تقول له فيها كم تحبه وهما في بيت واحد! فنعم بهذه الأعوام القليلة ما لم ينعمه من قضى مع أولاده عشرات السنين، فإن رضيت على الله رضى عنك، ألم تسمع بالآية: {قَالَ اللّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أبدًا رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }(المائدة119)؟

تأويل القصة الثالثة:
قال تعالى: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا} (الكهف 82) فلعلم والدهما بأن القرية كلها بخلاء فقد أخفى الوالد الكنز تحت هذا الجدار، لكي يأخذ الولدان الكنز عندما يبلُغا أشُدهما، فعندما مر موسى – عليه السلام- والخضر على الجدار كان الولدان لا يزالا صغيرين، فخاف أن يتهدم الجدار فيظهر الكنز، فرمم الجدار، فإن كنت أبًا صالحًا لا تخف فقدر الله سيرعى أولادك، فقد يتأخر رزق هاذين اليتيمين، ولكن قد تكون الرحمة في تأخر هذا الرزق، لادخاره لهما عندما يبلغا أشدهما، فإن تأخر الزواج أو الإنجاب، فاصبروا ففي تأخر الرزق رحمة وخير، وفي هذه القصة قيمة أخرى، ألا وهي ادخار شيء للأبناء لمستقبلهم، فلا تسرف فيما معك، واعلموا يا شباب، أن لآباءفي القصة الثانية والثالثة كانوا صالحين، ولحب الله للآباء فقد توفى الله الابن الطاغية في القصة الثانية، فاحذروا العقوق يا شباب، فقد مات الفتى لأجل والديه، وسينال الغلامان في القصة الثالثة الكنز من أجل أبيهما الصالح.

الرحمة محور الحياة:
ففي النهاية كان خرق السفينة رحمة، و كان قتل الغلام رحمة، و كان تأخير الرزق رحمة؛ فالرحمة هي مدار الحياة، فالأمومة رحمة، والنبي – صلى الله عليه سلم- رحمة كما قال عليه الصلاة والسلام :"إنما أنا رحمة مهداة"، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ }(الأنبياء107)، والأنبياء رحمة، ووجود الوالدين رحمة، والزواج والأسر رحمة، لقد قام الكون على الرحمة، قال تعالى: {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ }(الأعراف156)، قال الله تعالى في الحديث القدسي: "إن الله كتب تحت العرش إن رحمتي سبقت غضبي".

ما استفاده موسى عليه السلام من هذه الرحلات:
فقد كان سيدنا موسى – عليه السلام- بحاجة لتعلم الصبر، وعلمته هذه الرحلات الثلاث الصبر، لكي يستطيع أن يكمل دعوته لبني إسرائيل، وغير ذلك فقد جاء موسى – عليه السلام- من أزمة فرعون وطغيانه للخضر، وفوق طغيان فرعون ومحاربته للحق قدر الله – سبحانه وتعالى-، فيرجع موسى – عليه السلام- وكله استبشار بالمستقبل لما يعلمه من رحمة الله في قدره، وقد نجى موسى – عليه السلام- بعد ذلك بالقدر عندما عبر البحر، وقد ذهب موسى – عليه السلام- للخضر وهو يحمل مشكلة أمة، فأراه الخضر كيف يحل قدر الله –سبحانه وتعالى- مشاكل الأفراد؟ فما بالك بمشاكل أمة؟ أيعقل أن يهتم الله كل هذا القدر بالأفراد ولا يهتم بالأمة؟! هذه القصة تبث الأمل للأمة الإسلامية اليوم، فكل ما يحدث لنا الآن ينطبق عليه قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }(البقرة216 )، في حياة الأمة وفي حياة الأفراد. تخيل يوم القيامة عندما يرينا الله حياتنا ونهاية كل من الأزمات برحمة الله وقدره، وقد تكون تلك إحدى لذات الجنة، فتذوب حبًّا لله – سبحانه وتعالى- ولذلك قال تعالى: {دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ }(يونس10) وعندما يدخل أهل الجنة يقول لهم الله: "هل رضيتم؟" فيقولون: "ومالنا لا نرضى وقد بيضت وجوهنا وأدخلتنا الجنة" فيقول الله –سبحانه وتعالى-: "بقى شيء أن أرضى عنكم فلا أسخط بعدها أبدًا"


مضى نصف رمضان

(1)
مضى نصف رمضان وصدق الله (أيام معدودات) وهكذا تنقضي الأيام الغالية وأنا أكتب هذه الكلمات وأسال نفسي واسالكم هل أنت راض عن نفسك في النصف الاول من رمضان، هل عبدنا الله كما كنا نتمنى عند بداية رمضان، هل قرأت القران فأحيى في نفسك معاني جديدة قررت أن تعيش بها ، هل تذوقت حلاوة القيام، هل احدث الصيام في نفسك سمواً وارتفاعاً عن دنايا النفس وشهواتها. هل أنت أفضل بعد انقضاء نصف رمضان.

أبي حامد الغزالي من علماء المسلمين الكبار كانت له مقولة أيدها وأكدها علماء الإدارة في العصر الحديث، كان يقول أن أي عمل تعمله ابتغاء وجه الله ينبغي أن يتحقق فيه ثلاثة شروط ..
1- مشارطة النفس قبل العمل أي الاتفاق معها والعزم عليها.
2- تجديد الهمة وسط العمل.
3- تقييم الأثر الناتج في نهاية العمل.

وأنا أقول كم نحن الآن في منتصف العمل، فإن كان فاتك ولم تحسن وشغلتك الحياة وضاعت الهمة التي كانت عندك في أول رمضان ، فارجوك لا تيأس مازالت الفرصة أمامك والأيام القادمة أهم وأعظم وأغلي فليلة القدر تقترب والثواب عظيم وفرصة الفوز بالجنة والنجاة من النار بين يديك ، فارجوك ارجوك لا تستسلم وابذل جهدك وابدا من الان وشارك نفسك من أول وجديد واعزم على نفسك الآن واجتهد في القرب من الله وعمل الخير للناس فان همتك وعزمك من اليوم قد يجعلك تسبق من بدأ من أول الشهر ، فسرعتك قد تكون اعظم (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)

(2)
إليك يعض الاحاديث النبوية الشريفة لترفع همتك وتجدد فيك الأمل الكبير في رضا الله وثوابه وجنته وإجابته لدعائك ، وقد تكون سمعت هذه الأحاديث في بداية رمضان .. لكني أذكرك بها في منتصف رمضان لنجدد الهمة والنية ..
- من صام رمضان ايماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه.
- من قام رمضان ايماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه.
- من قام ليلة القدر ايماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه.
- ولله عتقاء من النار في رمضان وذلك كل ليلة.
- وللصائم عند فطره دعوة لا ترد.
- الصيام والقران يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام أي ربي منعته الطعام والشراب والشهوة بالنهار ويقول القران اي ربي منعته النوم بالليل فيشفعان للعبد.

ويكفيك قبل كل هذا ((ليلة القدر خير من ألف شهر)) فثواب العبادة في هذه الليلة كألف شهر فيما سوى هذه الليلة ، وهي ليلة إجابة دعاء وهي ليلة تتنزل فيها الملائكة من السماء ، وهي ليلة يسالم الله فيها عباده ، فيرحم ويغفر ويعفو (سلام هي حتى مطلع الفجر)

يا من ضيعت النفس الاول من رمضان أرجوك لم ينتهي السباق بعد، أبدا اليوم وأذهب إلي الله بكل قلبك، بكل جواراك وجدد معه العهد ومن يدري قد تسبق من بدأ.

(3)
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من هذا الدعاء (اللهم اجعل خير أعمالي خواتمها ) وكان يعلم الصحابة فبيقول لهم ((إنما الاعمال بالخواتيم)) ، إن الكثيرون يحسنون البداية ولكن القليل هو الذي يحسن إتقان النهاية ولذلك جعلت ليلة القدر في العشر الآواخر من رمضان للمجتهدين حتى النهاية ، فيا من احسنتم البدايات الحذر، الحذر من الغفلة في النصف الثاني من رمضان ، فالخير كله قادم في العشر الآواخر، ويا من لم تبدأو بعد ، السبق ، السبق فالخير كله قادم.

شعرت أني بحاجة أن أكتب هذه الكلمات أخاطب بها نفسي وأذكركم بها لعلا هذه الكلمات تكون سبب في إيقاظ إنسان يقرأئها الآن فيدخل حجرته وحده ويجلس بين يدي الله خاشعا باكيا وينسى من هو ويعيش مع ربه ولربه وبربه في الأيام المعدودة القليلة الباقية ، فقد سال الجنيد : كيف ترى العيد المحب لله في رمضان؟ فقال (عبد ذاهب عن نفسه، متصل بربه ، إن نطق فلله، وإن سكت فمع الله ، وإن تحرك فبأمر الله ، فهو بالله ولله ومع الله)



الحلقة (17) موسى والخضر - الجزء الأول


قصتنا اليوم من أغرب القصص:
فهي قصة رجل غامض غريب، فبها لغز، وبالرغم من أن سورة الفاتحة (7 )آيات فقط لا غير، وبالرغم من أن هناك أحكام في القرآن موجودة في (3) آيات فإن قصتنا اليوم جاءت في القرآن في (22) آية، إذًا، فهناك رسالة مهمة، ولكن لا يشعر بها ولا يعيشها أحد. هناك لقاء تاريخي، لقاء في منتهى الغرابة بين نبي من أعظم الأنبياء وعالم غيرعادي، عالم غامض، والغريب أن النبي هو الذي سعى للقائه. قصتنا اليوم هي قصة سيدنا موسى والخضر، واليوم لا نحكي قصة سيدنا موسى وإنما نحكي قصة الخضر.

مكانة العلم قديما وكيف أصبحنا؟
سافر سيدنا موسى آلاف الكيلومترات ليقابل هذا الرجل ويتعلم منه ثلاثة مواضيع ثم يعود. العلم الذي لم يعد موجودا وأهملته الأمة، العلم الذي أصبح العالم العربي ينظر إليه على أنه من الكماليات، أُمة "اقرأ" والتي أول آياتها في قرآنها "اقرأ"، أربعون في المائة من أفرادها لا يعرفون القراءة والكتابة! والمتعلمون لا يهتمون بالقراءة



هدف القصة:
يا شباب، اقرأوا كثيرا، فكفى دخولا على شبكة الإنترنت للعب والدردشة والدخول على المواقع الإباحية، وادخلوا على مواقع مفيدة للتعلم ، يجب أن تتعلموا وتقرأوا كثيرا، فمن خلال قصة موسى أريد أن أقول ثلاث صفات يجب أن تكون موجودة فيمن يريد أن يتعلم كما أريد أن أوضح لكم ست عشرة صفة اختر منها عشر صفات، لو حافظت عليها ستة أشهر أضمن لك النجاح ومستقبلا باهرا لك ولأمتك. فما هي قصة موسى والخضر؟

دليل أهمية قصة موسى والخضر:
أراد الله سبحانه وتعالى لتلك الأمة أن تنهض، فتقول الآيات: { إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ ... * وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا... } (القصص: 4،5) بماذا ستمن يا الله على تلك الأمة الضعيفة؟ بالعلم أول شئ. تلك القصة لأهميتها موجودة في القرآن وحكاها النبي؛ عندما نجد شيئا مرتين نعرف أن تركيزا غير عادي عليه، مثلها مثل قصة أصحاب الأخدود، فهما القصتان الوحيدتان اللتان تجد النبي يقصهما، وفي الوقت نفسه موجودتان في القرآن بتفاصيل عديدة.

الغموض للانتباه إلى قيمة العلم:
يقول النبي صلى الله عليه وسلم إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل ينصحهم بالعلم وأهميته، وفي وسط تلك الخطبة قام رجل من بني إسرائيل وقد تأثر بحديثه قائلا: "يا نبي الله، من أعلم أهل الأرض؟" فنظر موسى حوله ونظر إلى قصر فرعون وقال: "أنا"، فعتب الله عليه؛ لأنه لم ينسب العلم إلى الله ولم يقل (الله أعلم)! فماذا سيحدث الآن وهم لا يريدون أن يتعلموا؟ ستحدث قصة مثيرة. حدث يوقظ بني إسرائيل ويلفت انتباههم لأهمية وقيمة العلم، عندما أجاب موسى الرجل وقال: "أنا"، في تلك اللحظة نزل عليه جبريل بعتاب الله عليه وأخبره أن لله عبدا أعلم منه.
تعجب بنو إسرائيل كثيرا لهذا، فكيف يكون هناك من هو أعلم من موسى، وهو كليم الله، والذي ينزل عليه التوراة؟ وهناك ما سيجذب انتباههم أكثر للعلم بالتشويق؛ لأنهم قوم جدل لأن الكلام النظري لم يؤتِ بثماره معهم، ثم قال له جبريل: إن لله عبدا عند مجمع البحرين اذهب وتعلم منه. أين مجمع البحرين؟ لا يوجد له في الخريطة إلا منطقتين: إما رأس محمد بسيناء، أو التقاء النيل الأبيض مع النيل الأزرق بالسودان، فاتعب يا موسى وسافر للبحث، فالعلم يحتاج إلى تعب، وبدأت الأحاديث الجانبية لبني إسرائيل وسؤالهم عن تلك القصة الغامضة، فموسى من المحتمل أن يسافر للبحث، وهو حتى لا يعرف أي منطقة، سيبحث في مصر من الشمال للجنوب، وفي هذا دليل على قيمة العلم وأنه غالٍ. تخيل أن كل هذا في ديننا والأمة أغلبها لا يقرأ! فقال موسى: " يا رب، دلني عليه"، حيث إن الرحلة غامضة، فقال: " يا موسى احمل حوتا مملحا، وضعه في متكل، واحمله، وسر به إلى مجمع البحرين، ستجد الرجل". استخدم الله مع بني إسرائيل التشويق، فهذه الطريقة المفتقدة الآن في العالم العربي موجودة في القرآن.

لماذا لم يأخذ جبريل موسى مباشرة إلى الرجل؟ لأن هذا هو حال العلم اليوم وهو لا يؤدي إلى النجاح، يجب أن يتعب موسى ليُظهر للأمة أهمية العلم، فكيف يخرج بعض الناس أولادهم من المدارس؟ يا شباب، هل ذهبتم إلى أي قرية لتعلموا أبناءها؟ وأنت يا متعلم، هل أنت متعلم بحق أم تبحث فقط عن الشهادة والدرجات؟ وأنتم يا آباء ويا أمهات، أين التشويق لتحببوا أولادكم في العلم؟ من السهل أن تأخذ أولادك إلى المدرسة، ولكن هل تستطيع أن تجعلهم يعشقون العلم؟ الهدف من قصة اليوم هو أن يصل إليك أنك لو كنت تحب الله يجب أن تعشق العلم.


صفات من يرغب بالتعلم:
هناك ثلاث صفات يجب أن تكون فيمن يرغب بالتعلم: الصفة الأولى، إصرار وعزيمة وصبر شديد على التعلم. الصفة الثانية، أدب وتواضع مع من ستتعلم منه. الصفة الثالثة، أن ترغب بتعلم كل ما هو مفيد. والثلاث صفات موجودة بالقصة. بالنسبة للصفة الأولى: انظر للآية { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا } (الكهف60)، و(الحقبة) خمسة وعشرون عاما، أتلاحظ الاهتمام بالعلم؟ فموسى لا يعرف حتى نوعية العلم الذي سيذهب للحصول عليه لكن أترى الإصرار على التعلم؟

قيمة الإصرار على العلم:
ذهب شاب إلى حكيم وقال له: " أريد أن أتعلم كل ما تعرفه". قال له الحكيم: " أصادق أنت؟"، قال: "نعم". قال: "فاتبعني إلى النهر"، ثم طلب منه الحكيم أن ينظر إلى صفحة الماء، قال الشاب: لا أرى شيئا، فطلب منه الحكيم أن يخفض رأسه فأخفضها، فأمسك الحكيم برأس الشاب وأنزلها في الماء ثم قال له: ما الشيء الذي كنت ترغب به وأنت قريب من الغرق؟ قال الشاب: الهواء. فقال له الحكيم: لو أن رغبتك في الحصول على العلم مثل رغبتك في الحصول على الهواء عندها فقط سوف أعلمك. يقول الله سبحانه وتعالى {... وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا } (طه114)، نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الخمسين من عمره، يجب ألا نشبع من العلم وأن نطلب المزيد.

قيمة العلم وطلبته والمعلمون:
انظر إلى أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم " فضل العالم على العابد كفضلي على أبنائكم". وانظر لحديث آخر "إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت ليصلون لمعلم الناس الخير"، وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم " من سلك طريقا يبتغي فيه علما، سهل الله له طريقا إلى الجنة". والحديث الشريف "وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع". فطالب العلم ليس فقط الذي يذاكر، ولكن اقرأ ولو كتابا واحدا في الأسبوع. أيضا حديث النبي صلى الله عليه وسلم " إن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء". وحديث النبي صلى الله عليه وسلم " فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب". وهذا الحديث حين يقول رسول الله " إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينار ولكن ورثوا هذا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر".
.

رحلة موسى للبحث عن الخضر:
وانطلق موسى والفتى في رحلتهما للبحث عن العلم، وتصف لنا الآيات تلك الرحلة: { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا * فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا... } (الكهف:60،61)، ومن شدة التعب والسفر نسي يوشع بن نون، وكان معهما في المكتل طعام للرحلة، والسمكة المشوية ولكنها ليست للأكل وإنما علامة، فماذا حدث؟ وصلا إلى مجمع البحرين حيث من المفترض أن يجدا الخضر، ودب الله سبحانه وتعالى الروح في السمكة وقفزت من المكتل وهما في الطريق، يقول تعالى { فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا } (الكهف62)، فلما فتح يوشع بن نون المكتل ليخرج الغذاء لم يجد السمكة، فأحرج وقال: { قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ... } (الكهف63)، فالشيطان لا يريد لتلك الرحلة أن تتم؛ لأنه لقاء عالم بنبي وسنتعلم منها كثيرا، ولكن سبحان الله! فالشيطان قد ينسيك ولكن نيتك خير لعله خير.

في النهاية، أريد أن أنصحكم بأن تقوموا بفعل عشرة أشياء مما سأقوله الآن، وأنا أضمن لمن سيفعلها مستقبلا باهرا وغير عادي، وحياة ناجحة ومميزة، العلم يا شباب، فلقد رأيتم كيف حثنا الله ورسوله على العلم!

1- اقرأ كل أسبوع أو أسبوعين كتابا. ( مهم جدا )
2- اقرأ جريدة هادفة كل يوم.
3- اشترك في مجلة ثقافية.
4- سافر لمشاهدة العالم.
5- تعلم حرفة على أيدي حرفي مهما كنت مقتدرا.
6- قم بزيارة آثار ومعالم ومتاحف بلدك مع خبير.
7- رافق إنسانا ناجحا أو صاحب تجربة في الحياة ولو حاملا له حقيبته.
8- شاهد قناة ديسكفري.
9- شاهد نشرة الأخبار يوميا.
10- ابحث عن تاريخ عائلتك.
11- حاول كتابة قصة أو شعر أو أغنية أو أي فكرة.
12- ناقش واسأل في الكلية أو الفصل، سألوا فائزا بجائزة نوبل عن سبب فوزه قال إن والدته كانت تحثه على أن يسأل كل يوم سؤالا مفيدا للأستاذ!
13- العب شطرنج.
14- ادخل على النت على مواقع ثقافية.
15- اذهب لزيارة مكتبة عامة.
16- اعمل في الصيف.
17- تعلم كل ثلاثة أشهر مهارة أو رياضة جديدة.